أربعون عاماً من الصمود حتى الشهادة.. الشهيد علي خليل جاسم البياتي (أبو حنان)..!
زمزم العمران ||

قال تعالى في كتابه الكريم : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ)
لم تكن حياة هذا الرجل العظيم المُلقب بــ(ابي حنان ) مجرد حياة عابرة ، بل مسيرة عمرٍ كُتبت فصولها بالصبر و المطاردة و الوفاء، منذ أن أُعدم أخوه الأكبر سالم على يد نظام صدام بسبب انتمائه إلى الحركات الإسلامية، اشتعلت في قلبه شرارة لم تخمد، ومضى في طريقٍ حمل فيه آلام الغربة و قسوة الاعتقال، حتى ختم رحلته بالشهادة .
وُلد الشهيد علي خليل جاسم البياتي، المكنّى بأبي حنان، في بغداد، مدينة الصدر، عام 1967،ونشأ في عائلة محافظة متدينة، حملت في وجدانها القيم الدينية و مبادئها الراسخة، كان أخوه الأكبر سالم أول من ترك في حياته جرحاً لا يندمل، لكنه ترك معه أيضاً إرثاً من الثبات و العزيمة، في مطلع الثمانينات، بدأت رحلة أبي حنان الجهادية لتتحول حياته إلى مطاردة طويلة، بعدما صدر بحقه حكمان بالإعدام خلال تسعينيات القرن الماضي، تنقّل بين أكثر من خمس محافظات، يغير مسكنه هرباً من أعين السلطة، حتى استقر في الحصوة، في القرية العصرية بمحافظة بابل، منتظراً سقوط النظام، يقيناً منه بأن للحرية موعداً مهما طال الانتظار.
لكن سقوط النظام لم يكن نهاية المحنة، بل بداية فصلٍ جديد من المواجهة، فقد اتجه أبو حنان إلى مقاومة الاحتلال الأمريكي،في وقتٍ كانت فيه الحصوة تُعرف بـ “مثلث الموت” ، حيث اشتدت المخاطر و تكاثرت التحديات ،لم يكن حضوره مقتصراً على ميادين المواجهة، فقد حمل همّ الزائرين، ووضع خطة لفتح طريقهم و تطهير المنطقة من تنظيم القاعدة، وأقام موكب (أنصار الحجة) قرب جسر اللطيفية، ليكون مؤهلاً لخدمة الزائرين رغم ما تعرض له من قصف و هجمات انتحارية استهدفت الموكب و الزوار ،لكن كل هذا لم يثني من عزيمته ،وفي إحدى محطات تلك الرحلة استهدفته عجلة مفخخة، فأصيب إصابة بالغة ظن معها الجميع أنه فارق الحياة، غير أن الله كتب له النجاة، وأجرى الأطباء له عدة عمليات، فعاد إلى الحياة بعد أن لامس الموت، وكأن القدر أمهله ليواصل ما بدأه.
وبينما كان يتلقى العلاج في المستشفى، بلغه أن القوات الأمريكية عادت إلى مداهمة العوائل و مضايقتها، فغادر المستشفى على مسؤوليته وعاد إلى الميدان لتستأنف المواجهات مع القوات الأمريكية و تنظيم القاعدة،وفي نهاية عام 2007،وبعد مواجهة استمرت حتى أذان المغرب، اعتقلته القوات الأمريكية، ليبدأ فصلاً آخر من المعاناة في سجني بوكا و كروبر، حيث أمضى أربع سنوات من الاعتقال، قبل أن يخرج في نهاية عام 2010،حاملاً معه آثار السجن و مواصلاً طريقه الذي لم يتخلف عنه ،
وحين تعرض مرقد السيدة زينب عليها السلام للخطر، كان أبو حنان من أوائل الملبين للنداء، ذهب إلى ساحات المواجهة وعاد، ثم أرسل اثنين من أبنائه فأصيب أحدهما، لتزداد محنته بين واجب حمله في قلبه و أبناء أحبهم بكل ما يملك.
كان أبو حنان زوجاً و أباً لخمسة أبناء، ورجلاً عاش بين مسؤولية عائلته و نداء الطريق الذي أختاره، وبعد سنواتٍ من الصمود و المطاردة و الاعتقال، ارتقى شهيداً في السادس عشر من أيلول عام 2013،تاركاً خلفه سيرةً تختصرها حكاية أخ سبق إلى الشهادة، وأخ حمل أثره حتى لحق به.
سلامٌ على أبي حنان، يوم ولد في بغداد و يوم صبر على المحن، ويوم مضى إلى الشهادة، تاركاً لأبنائه ولمن عرفه حكاية رجلٍ لم تُطفئ المطاردة عزيمته ولم يكسر الاعتقال إرادته ولم تُنهِ رحلته إلا الشهادة.




