الأربعاء - 16 سبتمبر 2026

التهديد الحقيقي لمكة المكرمة عندما تكون إدارتها بيد المنافقين.. بوصلة المواقف..!

الأربعاء - 16 سبتمبر 2026

جليل هاشم البكاء ||

 

 

 

كلما اشتدت الأزمات السياسية والعسكرية في المنطقة، تعود بعض الخطابات الإعلامية السعودية إلى الورقة الأكثر حساسية في وجدان المسلمين، وهي مكة المكرمة، لتصوير الصراع مع أنصار الله في اليمن وكأنه يستهدف قبلة المسلمين وحرمة البيت الحرام. وهذه الدعاية لا تحتاج إلى كثير من الذكاء لفهم ما وراءها؛ فحين يُراد تحشيد العواطف واستجلاب التعاطف، لا توجد ورقة أكثر تأثيرا من مكة والمدينة والمقدسات.

لكن الحقيقة تحتاج إلى التمييز بين أمرين: بين خطر أمني حقيقي يمكن إثباته بالوقائع، وبين توظيف الخوف من المقدسات في الخطاب السياسي والإعلامي.

وفي التطورات الجارية حاليا، أعلنت السعودية في 16 سبتمبر 2026 اعتراض طائرة مسيرة قالت إنها كانت جنوب مكة، وذكرت أنها دمرتها قبل دخول المجال الجوي المحظور فوق المدينة، بينما نفى أنصار الله استهداف مكة أو المواقع الدينية. وبالتالي فإن القول بعدم وجود أي حادث أمني أو تهديد معلن إطلاقا لمكة لا يتطابق مع التقارير الراهنة؛ لكن تحويل حادثة عسكرية متنازع على توصيف هدفها إلى حقيقة ثابتة بأن مكة مستهدفة عمدا، هو أمر يحتاج إلى أدلة أكثر من مجرد الرواية السياسية لطرف في الحرب.

وهنا يظهر السؤال الأهم: إذا كانت حرمة مكة مقدسة عند ال سعود مهمة إلى هذا الحد، فهل حماية حرمتها تكون فقط من صاروخ أو طائرة مسيرة، أم أن للحرمة أبعادا أخلاقية وروحية وثقافية أيضا؟

إن مكة ليست مجرد مدينة، وليست مجرد موقع جغرافي أو ورقة في صراع سياسي. مكة هي البلد الحرام، والبيت الذي يتوجه إليه المسلمون في صلاتهم، والمكان الذي ارتبط في الوعي الإسلامي بالتوحيد والعبادة والأمان والسكينة. ولذلك فإن الحديث عن حرمة مكة ينبغي ألا يكون انتقائيا، ولا ينبغي أن يتحول إلى شعار يستخدم عندما يخدم المعركة السياسية ثم يُنسى عندما تتغير الظروف.

لقد شهدت المملكة في السنوات الأخيرة توسعا كبيرا في صناعة الترفيه والحفلات والمهرجانات، في إطار التحولات الاجتماعية والاقتصادية المرتبطة برؤية السعودية 2030. وهذا بحد ذاته شأن اجتماعي وسياسي يمكن مناقشته، لكن السؤال الذي يطرحه الخطاب الديني المحافظ هو: كيف يمكن الجمع بين الخطاب المتشدد في حماية حرمة المقدسات وبين التحول الكبير في نمط الحياة والترفيه داخل المملكة؟

وصار الرقص في الإسلام فرضا
وام المؤمنين غدت شكيرة
فهذا ما نراه في الحجاز
وحال الناس في شبه الجزيرة

وهنا ينبغي التفريق بدقة بين مكة نفسها وبين بقية المدن السعودية. فلا يصح أن ننسب كل حفلات ومهرجانات الترفيه إلى مكة أو المسجد الحرام من دون دليل. وفي الوقت نفسه، فإن النقاش حول طبيعة التحول الثقافي والترفيهي في المملكة مشروع، خصوصا عندما يتعلق الأمر بصورة المقدسات ومكانتها في الخطاب العام.

فالهيئة السعودية المختصة بشؤون المسجد الحرام تؤكد رسميا في خطابها للناس، على ضرورة احترام قدسية الكعبة وآداب المسجد الحرام، وعلى الهدوء وعدم رفع الصوت والتفرغ للعبادة. كما تؤكد الجهات الرسمية باستمرار على توفير البيئة الروحية المناسبة للحجاج والمعتمرين، وتصمت عن أفعال المنافقين.

ومن هنا فإن التحدي الحقيقي لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد سؤال: من يهدد مكة بالصاروخ؟

بل ينبغي أن يكون السؤال الأعمق: من يحافظ على معنى مكة وقدسيتها ورسالتها؟

فالقداسة ليست جدرانا فقط، وليست منطقة محظورة المجال الجوي فحسب. القداسة أيضا معنى وروح وسلوك وقيمة. وحماية المقدسات تبدأ بحماية مكانتها في النفوس، وبأن تبقى مكة مرتبطة بالعبادة والتقوى والرحمة والأمن، لا أن تتحول إلى أداة دائمة في الصراع السياسي.

أما استخدام اسم مكة في كل مواجهة سياسية وعسكرية، وتصوير الخصم على أنه عدو للبيت الحرام دون تقديم أدلة حاسمة على استهدافه المتعمد، فإنه قد يؤدي في النهاية إلى استنزاف قدسية الخطاب نفسه. فالمؤمن لا يرفض حماية مكة، بل يرفض أن تتحول مكة إلى شعار انتخابي أو إعلامي أو عسكري يُستدعى عند الحاجة ثم تُنسى معاني حرمتها في بقية الأوقات.

والأخطر من ذلك أن تحويل الخلاف السياسي إلى معركة بين الإيمان والكفر، أو بين حماة المقدسات وأعدائها، يجعل المواطن العربي والمسلم أمام خطاب تعبوي يحجب الأسئلة الحقيقية: ما طبيعة الحرب؟ من بدأها؟ ما أهدافها؟ وما حجم الخسائر التي أصابت المدنيين؟ وما الذي يمكن أن ينهي الصراع ويحفظ دماء المسلمين؟

لقد كانت الحرب في اليمن طوال سنوات طويلة مأساة إنسانية وسياسية كبرى، وتداخلت فيها أطراف إقليمية ودولية متعددة. ولذلك فإن اختزال كل ذلك في عبارة أن اليمن يهدد مكة لا يقدم فهما حقيقيا للصراع، بل ينقل النقاش من السياسة والوقائع إلى استثارة المشاعر الدينية.

والعقلاء يعرفون أن مكة أكبر من كل الأنظمة، وأعظم من كل الحكومات، وأسمى من كل الصراعات.

مكة للمسلمين جميعا، وليست ملكا سياسيا لطرف دون آخر.

ومن يحب مكة حقا، ينبغي أن يجعل حرمتها فوق الحسابات السياسية، وأن يحفظ مكانتها من الصراع والتوظيف والتحريض، وأن يتعامل مع أي تهديد لها بالدليل والعدل، لا بالدعاية والتخويف.

أما تحويل الخلاف مع أنصار الله إلى حملة إعلامية تقوم على استدعاء اسم مكة والبيت الحرام، فذلك لا يخدم قدسية المكان بقدر ما يخدم أهداف التعبئة السياسية.

والتهديد الأخطر للمقدسات ليس بالضرورة ذلك الذي يأتي من السماء على هيئة صاروخ أو طائرة مسيرة؛ فقد يكون أخطر أحيانا أن تتحول القداسة نفسها إلى أداة في يد السياسة، وأن يصبح اسم مكة وسيلة لتبرير الصراع، واستجلاب التعاطف، وتحشيد الناس ضد خصم سياسي.

فمكة لا تحتاج إلى دعاية كي تكون مقدسة.

والبيت الحرام لا يحتاج إلى خطاب سياسي كي يكون عزيزا على قلوب المسلمين.

وحرمة مكة أكبر من أن تكون ورقة في معركة.

ومن أراد حماية مكة حقا، فليحفظ حرمتها في القول والفعل، وليجعلها موضعا للوحدة والسكينة والعبادة، لا ميدانا للتعبئة والانقسام.

فذلك هو الاختبار الحقيقي: هل نحمي مكة من الخطر الذي يأتي من الخارج فقط، أم نحميها أيضا من أن تتحول قدسيتها إلى وسيلة في صراعات البشر؟