الخميس - 17 سبتمبر 2026

تسطيح العقول ووهم المعرفة: الفضاء الرقمي وتحدي إعمار الأرض..!

منذ 21 ساعة
الخميس - 17 سبتمبر 2026

د. عامر الطائي ||

 

 

 

ليس أشد خطراً على الأمم من تفريغ العقول من محتواها، وتحويل الإنسان من كائن مُفكّرٍ يبحث عن الحقيقة إلى أداةٍ تُحرّكها الانفعالات والشائعات. إن ما نعيشه اليوم في الفضاء الرقمي، ويتسلل بدهاء إلى وعي شبابنا – لا سيما في العراق صاحب التاريخ الحضاري والفكري العريق – يمثّل تحدياً وجودياً تتستر أخطاره خلف شاشات براقة تُبهر الأبصار وتُغشي البصائر.

لقد أُغرق هذا العالم الافتراضي بسرديات سطحية، وطروحات خاوية تُبث باسم الترفيه تارة، وباسم المعرفة أو الدين تارة أخرى، دون سندٍ من عقلٍ صريح أو منهجٍ علميٍّ تثبت صحته. والنتيجة الظاهرة هي تشكّل وعيٍ هش لدى الجيل الجديد؛ جيلٍ يظنّ أنه يعلم لمجرد أنه قرأ عنواناً خاطفاً أو شاهد مقطعاً عابراً، فيقتات على الزائف بدلاً من البحث عن الحقائق الرصينة.

إن الإسلام، كما يمليه العقل والدين المستنير، يأبى أن يُساق الإنسان بالأوهام أو أن يُبنى فكره على الظنون. فالله سبحانه وتعالى لم يضع الإنسان في هذه الحياة ليكون متلقياً سلبياً أو صداءً لضجيج الآخرين، بل كرمه بالعقل وجعله «خليفة في الأرض»، وأمره بـ «إعمارها». وإعمار الأرض لا يتحقق بالثرثرة الرقمية، ولا بالانسياق وراء “الترندات” الفارغة التي تقتل روح المبادرة، بل يتطلب علماً نافعاً، وعملاً جاداً، ووعياً يميّز بين الخبيث والطيب.

إن الشباب العراقي اليوم مدعوٌّ قبل غيره إلى الانتباه لهذه الخديعة الرقمية؛ فبناء الأوطان لا يتم إلا ببناء الإنسان، ولا يُبنى الإنسان إلا متى ما تحرر من استعباد السرديات السطحية وعاد إلى أصالة الفكر وقوة البرهان. إن الميزان الحقيقي ليس بكثرة المتابعين ولا بشهرة المنصات، بل بما يُختزن في العقل من معرفة حقيقية، وما يُقَدَّم للمجتمع من إعمارٍ وبناء. فلنحذر من هدر الطاقات في معارك وهمية، ولنسترد وعينا، فإن الأجيال القادمة أمانة في أعناقنا، وحفظ عقولها هو أول الطريق لصيانة مستقبلها.