العراق… وطنٌ لا نصفُ دولة..!
الشيخ قاسم ال ماضي ||

منذ سنوات طويلة ونحن نعيش أزمةً تتجاوز أزمة الحكومات والأحزاب؛ إنها أزمة سؤال أكبر: مَن نحن؟ وإلى أين نريد أن نذهب؟
يبدو العراق في كثير من الأحيان وكأنه يعيش حالة من «أنصاف الأشياء». لا هو دولة ذات مشروع وطني مكتمل، ولا هو دولة ذات منهج قومي واضح، ولا هو دولة دينية بالمعنى الكامل، ولا هو دولة مدنية مستقرة على رؤية سياسية محددة. نأخذ شيئًا من هنا، ونترك شيئًا من هناك، ونعيش بين هذا المحور وذاك، حتى أصبح البلد ساحةً لتجاذبات الآخرين أكثر مما هو صاحب قرار في تحديد مستقبله.
العراق بلد إسلامي، وهذه حقيقة لا ينبغي أن تكون موضع نزاع. لكنه في الوقت نفسه بلد متنوع في قومياته ومذاهبه ومكوناته، ولذلك فإن بناء الدولة لا يكون بإلغاء هذا التنوع، وإنما بتحويله إلى مصدر قوة تحت مظلة المواطنة.
لسنا بحاجة إلى أن نكون نسخة شيعية من دولة أخرى، ولا نسخة سنية من دولة أخرى، ولا أن نبحث عن هويتنا السياسية في عاصمة خارج حدودنا.
العراق يجب أن يكون العراق.
يمكن للعراقي أن يكون شيعيًا أو سنيًا، عربيًا أو كرديًا أو تركمانيًا، متدينًا أو مدنيًا، ومع ذلك يكون قبل كل شيء مواطنًا عراقيًا، تجمعه بالدولة حقوق وواجبات ومصالح مشتركة.
لا لهذا المحور… ولا لذاك
المشكلة ليست في أن تكون للعراق علاقات مع إيران، أو السعودية، أو الولايات المتحدة، أو غيرها من دول العالم. فالدول الطبيعية لا تعيش في عزلة.
المشكلة تبدأ عندما تتحول العلاقات الخارجية إلى تبعية داخلية، وعندما يصبح القرار العراقي جزءًا من مشروع غير عراقي.
العراق يستطيع أن تكون له علاقات جيدة مع الجميع، دون أن يكون تابعًا لأحد
لا نريد عراقًا في محور ضد محور، وإنما نريد عراقًا يتعامل مع الجميع من موقع الدولة والمصلحة الوطنية…
فالسياسة الخارجية الناجحة ليست أن تختار دائمًا أحد الطرفين؛ بل أن تستطيع أن تقول لكل الأطراف: لدينا مصالحنا، ولدينا قرارنا، ولدينا خطوطنا الحمراء.
لسنا أغنياء… ولسنا فقراء
حتى في الجانب الاقتصادي، نعيش حالة أخرى من أنصاف الأشياء.
بلد يمتلك ثروة نفطية هائلة، وأرضًا زراعية، ومياهًا، وموقعًا جغرافيًا مهمًا، وتاريخًا وحضارة، وفي الوقت نفسه يعاني من مشكلات اقتصادية وخدمية وبنيوية لا تتناسب مع إمكاناته.
فلا نحن دولة غنية تستثمر ثروتها كما ينبغي، ولا نحن دولة فقيرة لا تملك الموارد.
إننا بلد يمتلك الإمكانات، لكنه لم يمتلك بعد المشروع الذي يحول الإمكانات إلى قوة حقيقية.
المشكلة ليست في اختلافنا… بل في غياب المشروع
الاختلاف بين العراقيين ليس المشكلة.
المشكلة أن هذا الاختلاف كثيرًا ما يتحول إلى مدخل للتجاذب والصراع.
مرةً بين محورين، ومرةً بين ثلاثة محاور، ومرةً بين الداخل والخارج، ومرةً بين القوى السياسية نفسها.
ويصبح المواطن العراقي في النهاية متفرجًا على صراع لا يعرف أين يبدأ ولا أين ينتهي..،…… ..
ولهذا فإن العراق يحتاج إلى شيء أبسط وأعمق من كل الشعارات:
يحتاج إلى مشروع وطني.
مشروع لا يسأل العراقي أولًا: من أي مذهب أنت؟ أو إلى أي قومية تنتمي؟ أو مع أي محور تقف
العراق ليس ساحة
العراق أكبر من أن يكون ساحةً لتصفية الحسابات.
وأكبر من أن يكون ورقةً في مفاوضات الآخرين.
وأكبر من أن تختزل هويته في محور إقليمي أو دولي.
العراق بلد له تاريخ سابق على كثير من المشاريع السياسية الحديثة، وله حضارة وهوية ومصالح ومستقبل.
ولهذا فإن المطلوب ليس أن نقطع علاقتنا بالعالم، وإنما أن نبني علاقة متوازنة مع العالم.
لا نريد العزلة، ولا نريد التبعية.
لا نريد العداء للجميع، ولا الولاء للجميع.
نريد ان نكون
دولة تعرف ماذا تريد.
من «أنصاف الأشياء» إلى الدولة الكاملة
ربما آن الأوان لكي نخرج من حالة «أنصاف الأشياء».
لا نصف هوية.
لا نصف استقلال.
لا نصف قرار.
لا نصف دولة.
لا نصف مشروع.
العراق بحاجة إلى دولة تقول بوضوح:
نحن عراقيون أولًا، ونحترم هوياتنا الدينية والقومية والمذهبية، ولكن الدولة العراقية هي الإطار الذي يجمعنا جميعًا.
نحترم إيران، ونحترم السعودية، ونحترم تركيا، ونحترم الولايات المتحدة، ونحترم كل دول العالم، ولكننا لا نكون نسخةً من أي دولة.
نأخذ من الآخرين ما ينفعنا، ونرفض ما لا يناسب مصالحنا.
فليس المطلوب أن نختار بين الشرق والغرب، ولا بين هذا المحور وذاك.
المطلوب أن نختار العراق.
وهنا تبدأ السياسة الحقيقية.
وهنا تبدأ الدولة.
وهنا فقط يمكن أن يتحول العراق من بلدٍ تتجاذبه المحاور إلى بلدٍ تتجه إليه المحاور وتحسب له حسابًا.
فالقوة ليست في أن تكون مع أحد
القوة أن تكون قادرًا على أن تكون مع الجميع عندما تكون مصلحة وطنك معهم، وضد الجميع عندما تكون مصلحة وطنك في الاتجاه الآخر.
والعراق، بما يملك من تاريخ وموقع وثروات وطاقات بشرية، يستحق أن يكون صاحب مشروع، لا جزءًا من مشاريع الآخرين.




