كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ..!
السيد بلال وهبي ||

: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)
قال تعالى: فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴿سورة البقرة: 249﴾
النصر من منظور القرآن لا يبدأ من ميدان المعركة، وإنما يبدأ قبلها بكثير: في ميدان النفس. وهذا ما قاله رسول الله (ص) فيما رواه الإمام جعفر الصادق (ع): أن النبي بعث سريَّة، فلما رجعوا قال: “مَرْحَبًا بِقَوْمٍ قَضَوُا الْجِهَادَ الْأَصْغَرَ، وَبَقِيَ عَلَيْهِمُ الْجِهَادُ الْأَكْبَرُ”. فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا الْجِهَادُ الْأَكْبَرُ؟ قَالَ: “جِهَادُ النَّفْسِ”.
فالمعركة قد تبدأ بجيش كبير، لكنها لا تُحسَم إلا بقلوب متصلة بالله، تعرف لماذا تقاتل، ولمن تقاتل، وتختار أمر الله على أهوائها وشهواتها، وتصبر على المِحَن والمصائب، وتتحمَّل المشقات والمتاعب بثبات ويقين.
في مقالتين سابقتين تطرقنا إلى قصة بني إسرائيل وهم يطلبون من نبيهم قائدًا يقودهم إلى مواجهة عدوهم الذي أخرجهم من ديارهم وفرّق بينهم وبين أبنائهم. كانوا يتحدثون عن القتال بحماسة، ويعلنون استعدادهم له، ويقدِّمون مبرراتهم التي تبدو منطقية: لقد أُخرجنا من ديارنا وأبنائنا، فما لنا لا نقاتل؟ لكن حين كُتِب عليهم القتال تولّى معظمهم، ولم يبقَ إلا قليل. فكانت تلك هي الغربلة الأولى لهم.
ثم اختار الله لهم طالوت، ولم يكن اختيارهم هم، لأنهم كانوا ينظرون إلى القيادة بعين المال والنسب والجاه، بينما كان معيار الله هو العلم والقدرة والأهلية. لكن اختيار القائد لا يعني أن كل من سار خلفه أصبح أهلًا للمعركة. فكان لا بد من غربلة أخرى. ولهذا تقول الآية: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾. لم يكن النهر مجرد نهر. كان اختبارًا. والجماعات التي تدخل المعارك الكبرى لا يكفيها أن تمتلك الرغبة في الانتصار؛ عليها أن تثبت أولًا أنها قادرة على الانضباط، وعلى مقاومة نفسها، وعلى تقديم الهدف الذي آمنت به على حاجاتها العاجلة. ولهذا جاء الامتحان في أبسط صورة يمكن أن يتصورها الإنسان: الماء.
كانوا عُطاشى، والماء أمامهم، وحاجتهم إليه حقيقية، لكن الأمر الإلهي كان واضحًا: ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾. إنه الاختبار الضروري قبل متابعة الطريق، والتمحيص الواجب، وفرز الغث من السمين قبل وقوع المعركة الفاصلة، فما أكثر الذين يظهرون الحماسة حال الأمن والأمان، ويرفعون شعارات عظيمة حال الشعور بالقوة، ولكنهم يسقطون حين الاختبار الحقيقي، وهذا درس لا يخص بني إسرائيل وحدهم. إنه درس في الطبيعة البشرية.
فكم من إنسان يتحدث عن الصبر، فإذا ابتلي أو أصيب لم يصبر؟ وكم من إنسان يتحدث عن التضحية، فإذا طلب الحق منه تضحية لم يضحِّ؟ فرفع الشعارات والهتاف بالكلمات النبيلة لا يكشف معدن الإنسان، وإنما تكشفه اللحظات الحرجة والمواقف الحاسمة. ولهذا كان طالوت، وهو القائد الذي اصطفاه الله، بحاجة إلى أن يعرف من يستطيع الاعتماد عليه. فالجندي الذي لا يستطيع أن يضبط عطشه كيف يمكن أن يُعتَمَد عليه حين يشتد الخوف؟ والذي لا يستطيع أن يضبط رغبة عاجلة، كيف يستطيع أن يضبط نفسه أمام خطر الموت؟
لذلك لم يكن الهدف من منعهم من الماء إيقاعًا لهم في المشقة، وإنما كان الهدف أن تنكشف لهم حقائقهم النفسية، وكان المطلوب أن يعرف طالوت من يملك الإرادة التي تحتاجها المعركة. وهنا تتكرر الغربلة والتصفية.
في الغربلة الأولى: سقط الذين كانوا يطالبون بقائد يقاتلون تحت قيادته فلما كُتِبَ عليهم القتال تولّوا، ومضوا إلى سبيلهم.
وفي الغربلة الثانية: سقط الذين ساروا مع قائدهم، ولكنهم لم يستطيعوا مقاومة الماء، وبقي القليل.
لكن حتى هؤلاء القليل لم تنتهِ امتحاناتهم. فبعد أن اجتازوا النهر، رأوا جالوت وجنوده. وهنا ظهر امتحان من نوع آخر. قالوا: ﴿لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾.
وهذه لحظة شديدة الدلالة؛ لأن الإنسان قد ينجح في مقاومة شهوته، لكنه عندما يرى قوة عدوه بعينه، قد يستسلم لمنطق الواقع. لقد أصبحوا أمام جيش كبير، وعدو قوي، وهم قلة. فقال بعضهم: لا طاقة لنا. وهنا حدثت الغربلة الثالثة.
لم تعد المسألة مسألة عطش، ولا مسألة طاعة أمر مباشر، وإنما أصبحت أعمق بكثير، فهل يقيسون القوة بما تراه أعينهم، أم يؤمنون بأن وراء تلك الكثرة والقوة قوة أخرى هي الغالبة والقاهرة؟
هنا برزت الفئة التي اكتمل إيمانها: ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾. وهؤلاء لم يكونوا ينكرون الواقع. لم يقولوا إن جالوت ضعيف، ولم يقولوا إن جيشه قليل، ولم يتجاهلوا اختلال موازين القوى المادية، لكنهم رفضوا أن يكون الواقع المادي هو الحقيقة الوحيدة. كانوا يرون جيش جالوت، لكنهم يرون معه وعد الله. ويرون كثرة العدد، لكنهم يرون قوة الإيمان. ويرون ضعفهم المادي، لكنهم لا يرون أنفسهم متروكين وحدهم.
ولهذا لم يقولوا: القلة تنتصر دائمًا على الكثرة. بل قالوا بدقة: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. فليس العدد بلا قيمة، وليست الأسباب المادية بلا اعتبار، وليس التوكل على الله إلغاءً لقوانين الواقع. لكن العدد ليس وحده هو الذي يصنع النصر. فهناك الإرادة، والانضباط، والصبر، والإيمان، ووحدة الصف، وحسن القيادة، ثم قبل ذلك وبعده توفيق الله.
✍ السيد بلال وهبي
فجر يوم الأربعاء الواقع في: 16/9/2026 الساعة (05:13)




