رجلٌ عَبر دجلة ليكسر حصار الخوف “الشهيد تيسير حيدر فيصل مهدي السعدي”..!
زمزم العمران ||

زمزم العمران
قال تعالى في كتابه الكريم :(وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ )
في زمنٍ كانت فيه الطرق تُحاصر و القرى تُهدد و الموت يتربص بالناس من كل جانب، ظهر رجال لم يتعلموا التراجع، ولم يعرفوا للخوف طريقاً إلى قلوبهم، كان تيسير حيدر فيصل مهدي السعدي واحداً من أولئك الرجال الذين حملوا مسؤولية أهلهم ثم حملوا همّ وطنهم و قضيتهم، ومضوا في طريق اختاروا نهايته وهم يعلمون أن ثمن الموقف قد يكون الدم، لم يكن تيسير يبحث عن بطولة تُروى بل كان يصنعها في أصعب اللحظات، وحين أُغلقت الطرق أمام الناس، كان من الذين تقدموا لفتحها، وحين احتمى الخطر خلف ضفاف دجلة، لم يتردد في عبور النهر إليه، هكذا كان تيسير رجلاً إذا اشتدّ الخطر اشتدّ بأسه، وإذا ضاقت السبل صنع من إرادته طريقاً.
ولد الشهيد تيسير حيدر فيصل مهدي السعدي في السادس من تموز عام 1979،ونشأ في بيئةٍ عرفت معنى المسؤولية مبكراً، فكان رجلاً حمل اعباء أسرته كما حمل لاحقاً ما آمن به من قضايا و مواقف، كان تيسير متزوجاً و أباً لطفلين، ولم تكن الحياة بالنسبة إليه طريقاً مفروشاً بالراحة، فقد توفى والده، فوجد نفسه أمام مسؤولية إعالة عائلته، فعمل سائق أجرة في أوقات إجازاته من الجيش، مؤمناً بأن الكرامة تبنى بالعمل، وأن الرجل يعرف بما يحمله من مسؤوليات لا بما يملكه من متاع الدنيا.
وبعد سقوط النظام الصدامي، انتقل مع أسرته إلى محافظة ديالى، قريباً من عشيرته سعدية الشط، تلك القرية التي عاشت سنواتٍ قاسية من الصراع و العنف، وهناك وجد تيسير نفسه في مرحلة جديدة من حياته، فأنخرط في صفوف المقاومة، والتحق بـعصائب أهل الحق، مشاركاً في المواجهات ضد القوات الأمريكية، حتى أصبح من الرجال الذين تلاحقهم قوات الاحتلال بسبب نشاطهم القتالي مواقفهم الميدانية، وفي تلك السنوات العصيبة، لم تكن المعركة بالنسبة إليه مجرد مواجهة عابرة بل كانت حياة كاملة اختار أن يضعها في كفة ما يؤمن به.
كانت مناطق واسعة من ديالى تعيش تحت وطأة القتل و التهديد، وكانت الطرق تتحول إلى مصائد للمارة، ولا سيما طريق بغداد-كركوك، حيث ساهم في كسر الحصار عن القرى الشيعية عندما تعرض طريق بغداد-كركوك للقطع من قبل تنظيم القاعدة و قطعوا الطريق على اهل الشيعة في منطقة هبهب، اضطروا الشيعة إلى سلك طريق آخر مثل الخالص و المنصورية، كانت قرية الركة مفترق طرق هذه المناطق في المنتصف و كانت هذه العقدة السنية التي يستخدمها الزرقاوي لعنة الله عليه وحاول الزرقاوي الاستيلاء على القرى الشيعية مثل منصورية الشط و سعدية الشط وقرية الحاتمية و قضاء الخالص و جيزان الچول، لكن أبناء حيدر الكرار أبناء الأمام علي (؏) إخوة زينب، كان لهم رأي آخر و اشتبكوا معهم و فتحوا الطريق عن القرى الشيعية بكل بسالة و سطروا أروع البطولات.
ومن المواقف التي بقيت عالقة في ذاكرة أحد رفاقه المجاهدين، حادثة وقعت في تموز عام 2007،وكان الخطر يحيط بالمجموعة من كل الجهات، وكان قناص متمركزاً في منطقة الركة يستهدف المارة و المقاتلين، فيما كان رفاق تيسير يناورون و يشتتون انتباهه، عندها اتخذ تيسير قراراً جريئاً، لم ينتظر الطريق الآمن، ولم يتراجع أمام الخطر، بل إتجه عبر نهر دجلة سباحةً، متقدماً بإتجاه موقع القناص، حتى تمكن من الوصول إليه و القضاء عليه،ثم عاد إلى رفاقه، كان موقفاً يكشف شيئاً من شخصية تيسير : رجل حين تضيق الطرق، يصنع لنفسه طريقاً، وحين يحاصره الخطر يتقدم نحوه بدل أن ينتظر قدومه ،وفي الرابع عشر من شباط عام 2008،كانت ديالى على موعد مع فصلها الأخير في حياة تيسير، استهدف خلال اشتباك مع القوات الأمريكية في الخالص، بعدما حاولت القوات اعتقاله، ووفق رواية رفاقه، قاوم عملية الاعتقال و تمكن خلال الاشتباك من قتل أحد الجنود و إصابة اثنين آخرين، قبل أن تصيبه نيران قوات الاحتلال و يرتقي تيسير شهيداً.
لم يكن صاحب شهادة دراسية عالية، كونت الشهادة الابتدائية آخر ما كمله من أوراق التعليم لكن الحياة منحته شهادة أخرى لا تكتب بالحبر، رحل الرجل الذي عرف مسؤولية الأب، ومشقة العمل، وقسوة الطريق، وخطر المواجهة، وبقيت قصته شاهدة على مرحلة تركت في ذاكرة ديالى رجالاً لم تُقاس قيمتهم بما امتلكوا، بل بما بذلوه.
رحم الله الشهيد تيسير حيدر فيصل مهدي السعدي، وحفظ لأسرته ذكرى رجلٍ حمل مسؤولية عائلته مبكراً في حياته و ترك بعد رحيله سيرةً لا تنسى، فسلام عليه يوم ولد ويوم جاهد و يوم استشهد و يوم يُبعث حياً.




