تركيا وإسرائيل .. هل حان وقت الصدام الكبير؟!
عادل الجبوري ||

لم تكن الهجمات الجوية الاسرائيلية في الثامن عشر من اب-أغسطس الماضي على مطار أبو الظهور العسكري في مدينة ادلب السورية، الواقع على بعد ثمانين كيلو مترا عن الحدود مع تركيا، المؤشر الأول على عمق وخطورة الازمة بين انقرة وتل ابيب. بل ان هذه الهجمات يمكن ان تكون حصيلة تراكمات من الشد والجذب السياسي والإعلامي بصورة عامة، والتدافع العسكري والاستخباراتي حول سوريا على وجه الخصوص، لاسيما بعد الإطاحة بنظام بشار الأسد في الثامن من كانون الأول-ديسمبر من عام 2024.
سبقت الهجمات على مطار أبو الظهور، سلسلة من المواقف والخطوات الاستفزازية المتبادلة بين الطرفين، ارتبط بعضها بأحداث حرب غزة، التي بدت الحكومة التركية فيها مساندة وداعمة بقوة لحركة حماس الفلسطينية، حتى انها تبنت تسيير قوافل اغاثة إنسانية ذات طابع دولي، من اجل كسر الحصار الإسرائيلي على غزة، الامر الذي قابلته الحكومة الإسرائيلية، بإستهداف عناصر تلك القوافل بالقتل والاعتقال والطرد والابعاد.
ورغم ان عدة دول-من بينها الامارات العربية المتحدة-سيّرت العديد من قوافل الإغاثة الى غزة، الا انها لم تثر حفيظة تل ابيب بقدر ما اثارتها قوافل الإغاثة التركية، لاسباب سياسية مختلفة، من بينها، طبيعة العلاقة ذات الطابع الايديولوجي “الاخواني” بين تركيا وحماس، وكذلك الصراع الخفي غير المعلن بين انقرة وتل ابيب على الهيمنة والنفوذ والتمدد في مواقع مختلفة من قارتي اسيا وافريقيا، مثل ليبيا والسودان والصومال وغيرها.
لاشك انه من الصعب بمكان تصديق مزاعم تركيا في ظل حكم حزب العدالة والتنمية بزعامة رجب طيب اردوغان، بدعمها واسنادها الحقيقي للفلسطينيين في صراعهم مع إسرائيل، لانها-أي تركيا-ببساطة لم تتخذ أي خطوات وإجراءات سياسية او دبلوماسية او اقتصادية او عسكرية، ضد تل ابيب، توحي بجدية ومصداقية مواقفها وتوجهاتها. وحتى خفض مستوى التمثيل الدبلوماسي، او تقليص حجم التبادل التجاري بين الطرفين، لم يكن له اثر ملموس في معادلات الصراع والحقائق على ارض الواقع. وكذلك فإن تركيا بقيت في وضع الحياد خلال الحرب الأميركية-الإسرائيلية ضد ايران، وتجنبت اغضاب طرف على حساب ارضاء الطرف الاخر.
وهناك حقيقة أخرى، تتمثل في ان تركيا التي القت بكل ثقلها السياسي والعسكري طيلة ثلاثة عشر عاما، لاسقاط نظام بشار الأسد، لم تشكل قلقا حقيقيا لإسرائيل، رغم انها سيطرت وهيمنت على مساحات لايستهان بها من الجغرافيا السورية، سواء بواسطة تشكيلات من جيشها، او عبر ادواتها من المعارضة السورية، لانه لم يكن هناك تقاطع واضح، وكان كلا الطرفين يلتقيان بالكامل عند هدف التخلص من نظام الأسد. بيد ان الامر تبدل بعد انهيار الأخير، وبات كل طرف يسعى الى تعزيز حضوره، وتحصين ثغوره، والحصول على اكبر قدر ممكن من مواطيء القدم، في ساحة حافلة بالفوضى، والانفتاح على كل الخيارات والاحتمالات.
وبينما كانت إسرائيل تبحث في سبل حماية امنها القومي، والحؤول دون السماح لأي متغيرات من شأنها إيجاد قوى او عناصر تشكل تهديدا حقيقيا لها، كانت تركيا تعمل جاهدة للحفاظ على اوراقها الرابحة في سوريا، وكسب أوراق أخرى، وهي ترى انه من الخطأ التفريط بمكتسباتها وكذلك جهودها السابقة من اجل انبثاق عهد سياسي جديد في سوريا.
قد يبدو من المستبعد جدا اندلاع صدام عسكري مسلح، مباشر وواسع النطاق، بين تركيا وإسرائيل، انطلاقا من عدم رغبة كل منهما في ظل تعقيدات كبيرة في المشهدين الإقليمي والدولي، وانشغالهما بملفات وقضايا مختلفة، الا ان الصدام المحدود في المرحلة الراهنة امر وارد، بل انه بنظر البعض امر قائم وفقا للمعطيات والحقائق الماثلة على الارض، ويمكن ان يتسع نطاقه في حال تصاعدت وتيرة الصراع الإقليمي، وافرز اصطفافات وتحالفات جديدة، او وسع المنبثق منها، كما هو الحال بالنسبة للحلف الثلاثي بين كل من تركيا والسعودية وباكستان، ودعوة ايران للانظمام اليه، او حتى بالنسبة لما يسمى بـ”اتفاقيات السلام الابراهيمي” بين إسرائيل من جهة ودول عربية من جهة أخرى.
وارتباطا بعوامل وظروف معينة، فإن سوريا ستكون هي ميدان الصدام والصراع التركي-الإسرائيلي، بعدما كانت في مرحلة من المراحل ميدانا للصراع والتنافس الإيراني الإسرائيلي.
وبما ان حسابات واجندات ومطامع كل من الطرفين لاتلتقي مع بعضها البعض، فإن فرص التفاهم والتوافق تبدو ضئيلة، وحتى وان توافرت فإنها ستكون هشّة، وهذا ما تؤشر اليه وتتحدث به بوضوح وصراحة مختلف الأوساط والمحافل السياسية والإعلامية في انقرة وتل ابيب.
ففي انقرة يصفون رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بـ”مجرم حرب” و”ديكتاتور معزول”، ويؤكدون بأنهم “على استعداد كامل للمواجهة، وان الهجمات الإسرائيلية على لبنان وسوريا تهدف إلى دفع المنطقة نحو حروب إضافية، في وقت تحتاج فيه إلى مبادرات لصناعة السلام لا إلى إشعال مزيد من الصراعات”.
بينما في تل ابيب يعتبرون الرئيس التركي رجب طيب اردوغان “ديكتاتور”، ويرون “ان تركيا تمثل تحدياً استراتيجياً جديا لإسرائيل، وان التعامل مع هذا التحدي يتطلب الجمع بين الأدوات العسكرية والدبلوماسية”.
ومما لاشك فيه هو ان الولايات المتحدة الأميركية، هي الطرف الأكثر قدرة على ضبط إيقاع التصعيد، ومنع انزلاق الأمور الى الحافات الخطيرة والمنعطفات الحادة، لكن المشكلة هنا تكمن في ان الإدارة الأميركية لاتستطيع بحكم طبيعة علاقاتها ومصالحها مع كل من انقرة وتل ابيب، ان تنحاز الى احدهما على حساب الاخر. وهذه إشكالية أخرى قد تبدد فرص الحل والاحتواء الحقيقية والشاملة لصراع وصدام تحركه وتؤججه مصالح متقاطعة، ومساحات نفوذ متداخلة ومتشابكة، وعقد كامنة، وربما قوى محرّضة!.




