إلى الحكومة العراقية: تبنّوا مشروع منظومة الأمن الشرق أوسطي المشترك..!
محمد عبد الجبار الشبوط ||

منذ الإعلان عن اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان، لم أتعامل معه بوصفه تحالفًا عسكريًا ثلاثيًا مكتمل الصورة، وإنما بوصفه فرصة تاريخية قد تسمح للشرق الأوسط بأن يبدأ للمرة الأولى منذ عقود بناء أمنه من داخله.
ولهذا دعوت مبكرًا إلى عدم إبقاء الاتفاق محصورًا بالدول الثلاث، وطرحت السؤال مباشرة: لماذا لا تنضم إليه إيران والعراق وسوريا؟ ثم تطورت الفكرة في سلسلة من المقالات إلى مشروع أوسع هو تحويل اتفاق مكة إلى نواة لمنظومة الأمن الشرق أوسطي المشترك، ضمن فضاء إقليمي يمتد من باكستان شرقًا إلى مصر غربًا، ومن تركيا شمالًا إلى اليمن جنوبًا.
واليوم، بعدما بدأ الحديث رسميًا عن توسيع الاتفاق وإيجاد هياكل مؤسسية له، أعتقد أن الوقت قد حان لكي تنتقل هذه الفكرة من المجال الفكري والإعلامي إلى مجال السياسة الخارجية العراقية.
وأدعو الحكومة العراقية ووزارة الخارجية ومجلس الأمن الوطني إلى دراسة المشروع بصورة جدية، ليس من زاوية السؤال الضيق: هل ينضم العراق إلى اتفاق مكة أم لا؟ وإنما من زاوية السؤال الأكبر: هل يستطيع العراق أن يؤدي دورًا في تحويل الاتفاق الناشئ إلى منظومة إقليمية للأمن المشترك؟
العراق مؤهل بصورة استثنائية للقيام بهذا الدور. فهو يقع جغرافيًا في قلب الفضاء الذي نتحدث عنه. تحده إيران وتركيا والسعودية، ويرتبط بسوريا والخليج والأردن بعلاقات جغرافية واقتصادية وأمنية مباشرة. وهو عربي وإسلامي وشرق أوسطي في الوقت نفسه. كما أن علاقاته المتشابكة مع إيران والدول العربية وتركيا والولايات المتحدة، التي تبدو أحيانًا مصدرًا لصعوبة سياسته الخارجية، يمكن تحويلها إلى ميزة استراتيجية إذا أحسن استخدامها.
العراق ليس مضطرًا إلى الاختيار بين السعودية وإيران، ولا بين تركيا وإيران، ولا بين الولايات المتحدة والقوى الآسيوية. بل إن المصلحة العراقية الحقيقية تكمن في قيام نظام إقليمي يجعل هذه العلاقات أقل تصادمًا وأكثر قابلية للإدارة.
وهنا يكمن الفرق بين الانضمام إلى حلف والمساهمة في بناء منظومة أمن مشترك. الحلف العسكري يقوم عادة على تحديد الخصم ثم تجميع الدول في مواجهته. أما منظومة الأمن المشترك فتنطلق من قاعدة مختلفة: لا يجوز لدولة أن تحقق أمنها عن طريق إنتاج انعدام الأمن لدى دولة أخرى. ولذلك لا تقوم على تقسيم المنطقة إلى أصدقاء وأعداء، بل على مجموعة قواعد تقبلها الدول المشاركة: احترام السيادة، وعدم الاعتداء، وعدم التدخل، وعدم استخدام أراضي دولة للاعتداء على دولة أخرى، وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية، والتشاور عند الأزمات، والتعاون ضد الإرهاب والجريمة المنظمة، وحماية الممرات البحرية والبنى التحتية والطاقة.
ولهذا دعوت منذ البداية إلى إشراك إيران، لا إلى بناء تحالف ضدها. وجود إيران داخل منظومة أمنية إقليمية ملتزمة بهذه القواعد أفضل للعراق والخليج وإيران نفسها من وجودها خارج منظومة تنظر إليها باعتبارها خصمًا. وكذلك الأمر بالنسبة إلى سوريا ومصر ودول الخليج وبقية دول المجال الإقليمي.
ويمكن للعراق أن يطرح صيغة الدوائر المتعددة بدل اشتراط عضوية عسكرية متطابقة على الجميع. تبقى السعودية وتركيا وباكستان نواة للدفاع المشترك، وتنشأ حولها دائرة أوسع للأمن وعدم الاعتداء وإدارة الأزمات، ثم دوائر للتعاون الاقتصادي والطاقة والنقل والمياه والتكنولوجيا والتعليم.
وهنا نصل إلى البعد الآخر في المشروع. فالأمن وحده لا يصنع منطقة مستقرة. الدول قد توقع اتفاقيات السلام ثم تعود إلى الصراع عندما تتغير الحكومات والمصالح. أما عندما تتشابك الاقتصادات والمجتمعات، ويصبح ملايين البشر أصحاب مصلحة مباشرة في الاستقرار، فإن تكلفة الحرب ترتفع بصورة هائلة.
ولهذا صغت المشروع في ثلاث كلمات مترابطة: الأمن للدول، المصالح للمجتمعات، المواطنة للإنسان.
منظومة الأمن تحمي الدول. شبكة المصالح تربط المجتمعات. والمواطنة الشرق أوسطية، بوصفها حقوقًا إقليمية تضاف تدريجيًا إلى المواطنة الوطنية ولا تلغيها، تجعل الإنسان نفسه شريكًا في الفضاء الإقليمي من خلال حرية أكبر في الدراسة والعمل والإقامة والاستثمار والتنقل والاعتراف بالمؤهلات والحماية القانونية.
وقد يبدو هذا بعيدًا اليوم. لكنه لن يصبح قريبًا أبدًا إذا لم تبدأ دولة ما بطرحه.
وهنا أرى فرصة للعراق. بدل أن ينتظر العراق حتى تتشكل الترتيبات الإقليمية ثم يسأل عن مكانه فيها، يستطيع أن يتحرك الآن ويطرح مبادرة عراقية تدعو إلى حوار إقليمي حول تحويل اتفاق مكة إلى منظومة للأمن الشرق أوسطي المشترك.
يمكن لبغداد أن تبدأ بمشاورات مع الرياض وأنقرة وإسلام آباد وطهران والقاهرة ودمشق ودول الخليج. ويمكن أن تقترح مؤتمرًا في بغداد يناقش مبادئ الأمن غير القابل للتجزئة، وعدم الاعتداء، والتعاون الاقتصادي، وآليات العضوية متعددة الدوائر.
وليس مطلوبًا من الحكومة العراقية أن تتبنى كل تفاصيل التصور منذ اليوم الأول. المطلوب أولًا أن تتبنى السؤال وتطلق المبادرة.
لقد عانى العراق أكثر من معظم دول المنطقة من الحروب والصراعات والمحاور والتدخلات. ومن مصلحته، أكثر من كثيرين، أن ينتقل الشرق الأوسط من سياسة توازن الخوف إلى سياسة توازن المصالح.
وإذا كانت الجغرافيا قد جعلت العراق طوال عقود ساحة تتقاطع فوقها صراعات الآخرين، فإن السياسة تستطيع أن تحول الجغرافيا نفسها إلى مصدر قوة، فيصبح العراق جسرًا بين أطراف المنطقة بدل أن يكون ميدانًا لصراعها.
لهذا أتوجه بهذه الدعوة إلى الحكومة العراقية: لا تنتظروا نتائج عملية توسيع اتفاق مكة. ادخلوا في صناعتها. ولا تذهبوا إلى الاتفاق باحثين فقط عن مقعد للعراق.
اذهبوا بفكرة أكبر:
أن يتحول اتفاق مكة من تحالف بين ثلاث دول إلى نقطة انطلاق لمنظومة الأمن الشرق أوسطي المشترك، وأن يكون للعراق دور في هندسة هذه المنظومة منذ ولادتها.
فهذه ليست مسألة سياسة خارجية فحسب. إنها فرصة لإعادة تعريف موقع العراق ووظيفته في الشرق الأوسط الجديد.




