الأربعاء - 09 سبتمبر 2026
منذ 8 ساعات
الأربعاء - 09 سبتمبر 2026

الشيخ مازن الولائي ||

 

 

 

إن النصر على “قوى الاستكبار” لا يُقاس بميزان التفوق المادي المجرد، ولا يُمنح لمن يملك أعقد أنواع التكنولوجيا الرقمية والتطور العسكري المهول فحسب. فالسماء تزدحم اليوم بمدارات الأقمار الصناعية التجسسية والعسكرية المخصصة للتشويش والرصد وكشف المواقع بدقة إحداثيات مذهلة، والبحر نفسه يخضع لهيمنة تلك الترسانة المرعبة.

لكن التاريخ المعاصر يقدم لنا نموذجاً فريداً في إسقاط هذه الحتمية المادية؛ فعندما انطلقت الثورة الإسلامية في إيران، وكان قد حُرم الفتيان المجاهدين من أبسط قطع السلاح لتكون معادلًا في معركة خاضها النظام العالمي بأسره – من طغاة العرب إلى قوى الغرب – ضد الثورة ولصالح نظام صدام حسين وحزب البعث الكافر، في محاولة لتركيع شعب مجاهد أعزل. كانت مواجهة غير مسبوقة بين تفوق أمريكي مطبق، وبين فتية “آمنوا بربهم” واعتمدوا على الخالق الجبار، بقيادة رجل رباني وعارف عظيم هو الإمام روح الله الخُميني (قُدِس سره)، الذي لم يرهب تلك القوة الطاغية ولم يخضع لسطوة الانبهار بالمركزية الحضارية والتقنية للغرب، بل أسس لوعي استراتيجي يقوض هيمنة المستكبرين.

لقد انطلق ذلك المشروع من الاستيعاب العميق للآية القرآنية الكريمة: (وَأَعِدُّوا۟ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةࣲ وَمِن رِّبَاطِ ٱلۡخَیۡلِ تُرۡهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمۡ) الأنفال ٦٠، لتستعد الأرض ومن عليها والمياه ومن فيها لتكون نصيراً للمستضعفين في وجه عالم ساد فيه الظلم والطغيان.

إنه فجر علمائي روحاني يعتمد على عناصر لا تخضع لقوانين الفيزياء المادية وحدها؛ فالتقوى، والإخلاص، واليقين هي أسلحة لا تستطيع التكنولوجيا الحديثة إبطال مفعولها. ومن مدرسة كربلاء ودماؤها الزكية استمد المجاهدون الصادقون وقود صمودهم، حتى سخرت الطبيعة بمعجزاتها طوع أمر الإرادة الإلهية، وتحولت عقول أهل التقوى إلى منابر لتطوير القدرات الوقائية والهجومية في مواجهة وحشية تستبيح أمن الشعوب.

واليوم، ها هو القدر يثبت معادلة القوة لدولة الفقيه بعد مسيرة نضالية امتدت لنحو ٤٧ عاماً من الصمود والثبات، لتتبوأ إيران موقع السيادة والقرار المستقل الذي لا يُكسر. فلم تعد إيران مجرد مدافع، بل باتت تخنق المشروع الأمريكي في مجالات نفوذه براً وبحراً وجواً؛ وتتجلى رمزية هذا التحول الاستراتيجي في المشهد المذهل لسيطرة القدرات الإيرانية عبر عملية معقدة على غواصة أمريكية ذكية وغير مأهولة – من أحدث ما أنتجته المصانع العسكرية الأمريكية ودخلت الخدمة حديثاً – لتنقاد طواعية إلى شواطئ الجمهورية الإسلامية كغنيمة استراتيجية. ولم تكن هذه السيطرة البحرية مجرد غنيمة عادية، بل هي اختراق تقني واستخباراتي يضع أحدث أسرار الهيمنة التكنولوجية للعدو بين يدي عقول أهل التقوى، لتتحول إلى نواة هندسية وخرائط إعداد جديدة تضاعف من قوة الردع لكسر شوكة الاستكبار.

إن العقل السيّاسِي والعسكري الذي يدير هذه المواجهة لا يتعامل مع التكنولوجيا بوصفها صنماً يحظى بالتقديس، بل بوصفها “مادة” مسخرة لمن يمتلك إرادة الاستخلاف والإيمان. حين تنقاد الغواصات الذكية التي تتباهى بها واشنطن إلى المرفأ الإيراني سليمة كاملة، فإن رسالة السماء تتجلى مجدداً واضحة جليّة، إن الطاغوت مهما زخرف بروعه التقني والحديدي، فهو أوهن من بيت العنكبوت أمام إرادة المستضعفين حين يصدقون مع الله.

لقد أثبتت معادلة “دولة الفقيه” أن الثبات على المبدأ لا ينتج عنه إلا تراكم القوة؛ فمن فقر البدايات وحروب الحصار إلى هندسة الطائرات المسيرة وإسقاط وهج الغواصات الذكية في مضيق هرمز، تتأكد حقيقة أن البحر ومجاريه والسماء وآفاقها ليست سوى جنود مسخرة لمن أعدّ المستطاع وتوكل على العزيز الجبار.

تلك هي فيوضات الإخلاص، وتلك هي ثمار الدم الطاهر والوعي الجهادي الذي لا تعرف موازينه الانكسار.. وإن غداً لناظره قريب.

٢٧ ربيع الأول ١٤٤٨هجري.
١٨ شهريور ١٤٠٥ش
٢٠٢٦/٩/٩م

“البصيرة هي ان لا تصبح سهمًا بيد قاتل الحسين  يُسَدَّد على دولة الفقيه”
مقال آخر دمتم بنصر قادم .. https://t.me/mazinalwalae