إسرائيل نحو الزوال المحتّم؟ قراءة سياسية واستراتيجية..!
الشيخ أكبر علي الشحماني

مقدمة
يُطرح مستقبل إسرائيل في المنطقة باعتباره أحد أكثر الملفات إثارة للجدل. فهناك من يرى أن إسرائيل تمتلك قدرات عسكرية واقتصادية وتكنولوجية تجعل بقاءها مستمراً، بينما يرى اتجاه آخر أن عوامل داخلية وإقليمية ودولية بدأت تضعف قدرتها على الاستمرار بالشكل الذي تأسست عليه.
لكن من المهم التمييز بين التحليل السياسي وبين الجزم بأن زوال دولة في تاريخ محدد. فلا توجد، وفق المعطيات المتاحة، وسيلة علمية تستطيع تحديد موعد لانهيار إسرائيل أو اختفائها. والأدق هو دراسة عوامل القوة والضعف التي يمكن أن تؤثر في مستقبلها.
أولاً: الانقسام الداخلي
من أبرز التحديات التي تواجه إسرائيل تصاعد الاستقطاب السياسي والاجتماعي. ويشير مؤشر الديمقراطية الإسرائيلي لعام 2025 إلى انخفاض الثقة في عدد كبير من مؤسسات الدولة، وأن الصراع بين اليمين واليسار يُنظر إليه باعتباره أكثر التوترات الاجتماعية حدة داخل المجتمع الإسرائيلي. كما أن نسبة محدودة فقط قيّمت الديمقراطية الإسرائيلية تقييماً إيجابياً.
وهذا لا يعني أن الانهيار أصبح حتمياً، لكنه يشير إلى أن التماسك الداخلي يمثل عاملاً استراتيجياً مهماً في مستقبل الدولة.
ثانياً: العبء الاقتصادي للحروب
الحروب الطويلة تفرض تكاليف كبيرة على أي دولة، خصوصاً عندما تستمر التعبئة العسكرية وتزداد النفقات الدفاعية.
وقد أشار صندوق النقد الدولي في يوليو 2026 إلى أن التوترات الإقليمية تلقي بظلالها على الاقتصاد الإسرائيلي، وأن توقعات النمو لعام 2026 خُفّضت إلى 3.5%، مع استمرار الضغوط الناتجة عن الإنفاق الدفاعي ونقص العمالة والمخاطر الجيوسياسية.
وفي المقابل، لا يصح تصوير الاقتصاد الإسرائيلي على أنه انهار؛ فالمؤسسات الاقتصادية ما زالت تعمل، والبنك المركزي خفّض سعر الفائدة في سبتمبر 2026 مع بقاء التضخم منخفضاً نسبياً.
لذلك فإن الاقتصاد يمثل نقطة ضغط، وليس دليلاً بحد ذاته على قرب الزوال.
ثالثاً: أزمة الثقة السياسية
أصبحت الحرب والأمن ومستقبل القيادة السياسية في صلب الصراع الداخلي. ومع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية في أكتوبر 2026، تظهر خلافات داخل المعسكر اليميني نفسه، الأمر الذي يعكس صعوبة الحفاظ على تماسك ائتلاف سياسي واسع.
وهنا تظهر قاعدة تاريخية مهمة: الدول لا تضعف فقط عندما تواجه خصماً خارجياً، وإنما عندما يتزامن الضغط الخارجي مع الانقسام الداخلي.
رابعاً: البيئة الإقليمية
تواجه إسرائيل بيئة إقليمية أكثر تعقيداً من السابق، مع استمرار الصراعات والتوترات وتعدد القوى المسلحة والدولية المؤثرة في الشرق الأوسط.
لكن في الوقت نفسه، تمتلك إسرائيل تفوقاً عسكرياً وتكنولوجياً وشبكة تحالفات دولية، ولذلك فإن الحديث عن سقوطها القريب باعتباره أمراً مؤكداً لا يستند إلى دليل كافٍ.
خامساً: الشرعية الدولية
أدت الحروب في غزة والتوترات الإقليمية إلى زيادة الانتقادات الدولية لإسرائيل، وأصبح مستقبل علاقتها بالمجتمع الدولي أحد عناصر الضغط الاستراتيجي عليها. وتشير دراسة معهد الديمقراطية الإسرائيلي إلى تدهور مكانة إسرائيل دولياً مقارنة بمراحل سابقة، بالتزامن مع استمرار مشكلات داخلية تتعلق بالديمقراطية والمؤسسات.
وهذا يفتح سؤالاً مهماً: هل تستطيع إسرائيل المحافظة على تفوقها العسكري والاقتصادي والسياسي إذا أصبحت أكثر عزلة دولياً؟
سادساً: هل الزوال محتّم؟
من الناحية العلمية والسياسية، لا يمكن القول إن زوال إسرائيل محتّم. والأدق القول إن هناك مجموعة من عوامل الضغط التي يمكن أن تؤثر في مستقبلها:
الانقسام السياسي والاجتماعي.
استمرار الحروب وارتفاع كلفتها.
الضغوط الاقتصادية والمالية.
تراجع الثقة بالمؤسسات.
التحديات الديموغرافية والاجتماعية.
تغير البيئة الإقليمية.
الضغوط والانتقادات الدولية.
صعوبة تحقيق أمن دائم من خلال القوة العسكرية وحدها.
وفي المقابل، توجد عوامل تمنح إسرائيل قدرة كبيرة على الصمود، منها القوة العسكرية، والاقتصاد المتطور، والقدرات التكنولوجية، والمؤسسات الحكومية، والتحالفات الدولية.
الخلاصة
يمكن صياغة الفكرة بصورة أكثر دقة: إسرائيل ليست أمام زوال مؤكد، لكنها تواجه اختبارات استراتيجية عميقة قد تعيد تشكيل مستقبلها. فإذا تراكمت الانقسامات الداخلية مع الأعباء الاقتصادية والعسكرية وتغيرت البيئة الإقليمية والدولية، فقد تدخل الدولة في مرحلة طويلة من الضعف وإعادة الهيكلة.
أما القول إن «الزوال محتّم» فهو موقف سياسي أو توقع أيديولوجي أكثر منه نتيجة علمية يمكن إثباتها الآن. والتاريخ يثبت أن الدول قد تتغير أو تتفكك أو تعيد تشكيل نفسها، لكن توقيت ذلك ومساره لا يمكن الجزم به مسبقاً.
الخلاصة الأهم: مستقبل إسرائيل لن تحدده القوة العسكرية وحدها، بل سيحدده أيضاً مدى قدرتها على المحافظة على التماسك الداخلي، والاقتصاد، والشرعية السياسية، والتحالفات الدولية، وإدارة الصراع الإقليمي.




