الريل وحمد وحجارة العابثين..!
عبد الزهرة محمد الهنداوي ||

يحتفظ العراقيون بعلاقة حميمة واستثنائية مع القطار، أو ما يُعرف في الذاكرة الشعبية بـ«الريل» و”الشمندفر” ، علاقة ضاربة في عمق الزمن، تمتد لنحو قرن ونصف، منذ أن شهد العراق بدايات إنشاء السكك الحديدية عام 1869، في عهد الوالي العثماني مدحت باشا، وهي السنة ذاتها التي صدرت فيها أول صحيفة عراقية “الزوراء”، وكان اول خط ترامواي يربط بغداد بالكاظمية، وتجرّه الخيول، فيما انطلقت اول رحلة لقطار “الشمندفر” عام 1914 بين بغداد والدجيل.
ومنذ ذلك الحين، لم يكن القطار بالنسبة للعراقيين مجرد وسيلة للنقل، بل تحول الى جزء اصيل من الذاكرة الشعبية، ورفيق للحكايات والآمال والأشواق، ومع وقع عجلاته على القضبان، كان “الريل” أنيس العشاق، يسهرون على إيقاعه، ويحلمون بأن يحملهم الى مهجع الحبيب.
ولذلك حضر القطار بقوة في الفن الشعر والغناء العراقي، وكتب عنه الشعراء قصائد كثيرة تحولت إلى أغان خالدة تناقلتها الأجيال، ومسرحيات واعمال درامية كثيرة تدور احداثها في “فارگونات” القطار ومحطاته الغافية في جوف الليل، وكأن القطار كان يحمل همسات العاشقين ومشاعرهم من مدينة إلى أخرى، ومن قلب إلى قلب.
لكن المفارقة المؤلمة أن هذه العلاقة الحميمة بين العراقيين و”الريل” تخفي اليوم، في بعض جوانبها، سلوكا لا يخلو من الغرابة والعدوانية، فبينما كان القطار في المخيال الشعبي رسولا للعشاق، بات يتعرض في بعض المناطق التي يمر بها الى وابل من الحجارة، في صورة تبدو وكأنها النقيض تماما لتلك العلاقة الجميلة التي صنعتها الذاكرة العراقية معه.
ورشق القطارات بالحجارة ليس عبثا عابرا أو سلوكا بريئا كما قد يتصوره البعض، فتلك الحجارة حطمت النوافذ، واصابت المسافرين والعاملين بجروح بالغة واذى كبير، فضلا عن الأضرار المادية التي تلحق بالقطارات، وما قد ينجم عنها من تعطيل لحركة النقل وتعريض حياة الناس للخطر.
والمؤسف أكثر أن هذه الظاهرة لم تختف رغم ارتفاع مناسيب الوعي وتغير أنماط الحياة، بل ما زالت القطارات العراقية تتعرض للرشق بالحجارة في المناطق التي تمر بها، وتبدو الظاهرة أكثر وضوحا خلال المناسبات الدينية، وبالاخص خلال ايام زيارة الأربعين، حين تتحرك القطارات ببطء بسبب كثافة الزائرين، ما يتيح لبعض المتهورين استهدافها بالحجارة.
وهنا لا لايكون الأمر مجرد حالات فردية متفرقة، بل هو مشكلة سلوكية واجتماعية تستدعي المعالجة الجادة، لأنها تتعلق بحياة الناس وسلامتهم، ومصالحهم، وبمرفق عام يفترض أن يكون وسيلة آمنة لخدمتهم.
إن معالجة ظاهرة كهذه لا يمكن أن تقوم على الردع وحده، كما لا تكفي فيها حملات التوعية الموسمية، بل تحتاج إلى جهد مستمر يجمع بين التوعية والمسؤولية المجتمعية وتطبيق القانون.
وتبدأ المعالجة من بناء وعي طويل الأمد بأهمية القطارات وضرورة الحفاظ عليها، من خلال حملة تشترك فيها وسائل الاعلام بمختلف أنواعها، ومنظمات المجتمع المدني، وشيوخ العشائر، ورجال الدين، والشرطة المجتمعية، والمؤسسات التربوية، وسائر الفعاليات الاجتماعية، لترسيخ فكرة بسيطة وواضحة مفادها أن القطار ملك للناس جميعا، والاعتداء عليه هو اعتداء على مرفق عام يخدم المجتمع.
وفي المقابل، ينبغي أن تترافق حملات التوعية مع إجراءات قانونية رادعة بحق كل من يرمي القطار بحجر، فيعرض المسافرين والعاملين للخطر أو يتسبب في إلحاق الضرر بالممتلكات العامة، لأن حماية الأرواح والممتلكات العامة ليست شأنا ثانويا، وإنما مسؤولية قانونية ومجتمعية.
نريد لـ”الريل” أن يستعيد صورته الجميلة في الذاكرة العراقية، أن يواصل رحلته فوق قضبانه الحديدية بهدوء، لا أن يكون هدفا لحجارة العابثين، نريده أن يحمل المسافرين والأحلام والحكايات، وان يواصل ترديد تلك الترنيمة التي ما زالت تسكن الذاكرة العراقية:
“مرينه بيك حمد وإحنا بقطار الليل
وسمعنا دگ گهوة وشمّينا ريحة هيل”.
فما أجمل أن يبقى “الريل” رسولا للعاشقين، وحاملا للحكايات والأحلام، لا هدفا لحجارة العابثين.




