الأربعاء - 09 سبتمبر 2026

وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ..!

منذ 15 ساعة
الأربعاء - 09 سبتمبر 2026

السيد بلال وهبي ||

 

 

 

(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)
قال تعالى:
وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴿سورة البقرة: 186﴾.
تجمع الآية بين استجابتين: استجابة الله لدعاء عباده، واستجابة العباد لأمره، فلا تكتمل صورة العلاقة الإيمانية بمجرد طلب العبد، بل تقتضي منه أيضًا أن يستجيب لربّه، وتعيد الآية الكريمة تعريف العلاقة بين الإنسان وربه: الله قريب من عباده، وعباده مدعوون إلى الدعاء والسؤال منه، والدعاء لا ينفصل عن السعي، والاستجابة لله تسبق انتظار استجابته، والإيمان به، والالتزام بلوازم الإيمان ومقتضياته هو الذي يبلغ بالإنسان الرشد والحكمة.

وقد تسأل –قارئي الكريم-: إذا كان الله قريبًا مِنَّا، يعلم حاجاتنا، وأحوالنا، وما يحدث لنا، فلماذا ندعوه؟

مما لا شكَّ فيه أن قرب الله ليس قربًا مكانيًا، تعالى الله عن الحدود والجهات، وإنما هو قرب العلم والإحاطة والرحمة والقدرة والاستجابة. إنه أقرب إلى الإنسان من كل ما يحيط به، لأنه خالقه، والعالم بسريرته، والمدبّر لشؤونه.

ومع ذلك، فإن الله الذي يعلم حاجات عباده يحب أن يسمع دعاءهم. فالدعاء لا يضيف إلى علم الله علمًا، ولا يعرّفه بما يجهل، وإنما يفتح في الإنسان باب الاعتراف بالحاجة إلى الله، ويحرّره من غرور الاكتفاء بما لديه، ويعيده إلى موضعه الحقيقي: عبدًا محتاجًا إلى ربّ غنيّ مطلقًا عن عباده، ولهذا لا يكون الدعاء إخبارًا لله بما لا يعلم، بل إيقاظًا للإنسان على حقيقة ما هو عليه.

فما على الإنسان إلا أن يستجيب لله، والاستجابة لا تعني إلغاء الأسباب، لأن الدعاء ليس بديلًا عن العمل، ولا يستطيع الإنسان أن يتجاوز سُنَنَ الله في الحياة بمجرد التمنّي. فالدعاء الصادق لا يلغي الأسباب، بل يحرّر الإنسان من تأليهها والاعتماد المطلق عليها بعيدًا عن مسببها وهو الله. فالمؤمن يعمل، ويخطط، ويتعلم، ويعالج، ويقاوم، ويطلب النصر بالوسائل المتاحة، لكنه لا يرى هذه الوسائل مستقلّة عن الله. إنه يأخذ بالأسباب باعتبارها جزءًا من السنّة الإلهية، ثم يفوّض إلى الله نتائجها وتوقيتها ومآلاتها.
والاستجابة لله تتجلّى في وجوه كثيرة: في أداء الفرائض والابتعاد عن المحرّمات، وفي إصلاح النفس وتهذيبها، وفي أداء الحقوق والأمانات، وفي مقاومة الظلم والفساد بحسب الاستطاعة، وفي الصدق مع الله ومع الناس، وفي قبول الحق، ولو جاء على خلاف المصلحة الشخصية، وفي تحويل الإيمان إلى مسؤولية اجتماعية وأخلاقية.

ومن هنا فإن انتظار الإجابة لا يعني انتظارًا خاملًا. وقد تتخذ الإجابة صورًا متعددة، فقد تكون الإجابة في تهيئة سبب لم يكن ظاهرًا، أو في فتح طريق بعد انسداد، أو في دفع ضرر لم نعلم أنه كان يتوجه إلينا، أو في تأخير الأمر حتى ينضج وقته، أو في تغيير الإنسان نفسه ليصبح أهلًا لما يسأل.

فالإنسان قد يطلب شيئًا لأنه يراه خيرًا له، بينما يعلم الله أن الخير في غيره أو في تأخيره. والإيمان لا يعني أن يتخلى الإنسان عن حاجاته، بل أن يطلبها بثقة، ثم يسلّم لله في اختيار الصورة والوقت والنتيجة.

وعليه، فإن الدعاء ليس عقدًا يفرض الإنسان بموجبه إرادته على الله، بل هو عبادة يعلن فيها الإنسان حاجته، ويبذل جهده، ويضع عاقبته بين يدي الحكمة الإلهية. وقد وعده الله بإجابة دعائه بشرط أن يستجيب هو لله، فالآية الكريمة لا تجعل العلاقة في اتجاه واحد: عبد يطلب، وربّ يُنتظر منه أن يعطي، بل يجعلها علاقة متبادلة: كما أن الإنسان يدعو الله، فعليه أن يستجيب لله.

ولهذا لا يكون الدعاء الحقيقي هروبًا من الواقع، بل التزامًا بإصلاحه. فمَن استجاب لله في حياته، كان دعاؤه أكثر صدقًا، لأنه لا يطلب من الله ما يناقض ما اختاره لنفسه من طريق.

ثم إن الآية تقول: ﴿وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾. والإيمان هنا ليس مجرد التصديق بوجود الله، وإنما هو الثقة به وبحكمته ورحمته وعدله. أن يؤمن الإنسان بالله يعني أن يوقن بأن الله يسمع، ويعلم، ويقدر، ويرحم، وأن تأخُّر الإجابة لا يعني غياب العناية، وأن اختلاف النتيجة عن المطلوب لا يعني انعدام الحكمة. فالله قريب من عباده، لكنه ليس خاضعًا لأهوائهم، يسمع دعاءهم، لكنه يعلم ما يصلح لهم، يفتح أبواب الرجاء، لكنه لا يلغي مسؤوليّتهم ولا سُنَن الحياة.

يبقى في النفس سؤال مهم: لماذا ختمت الآية بقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾؟.

هذه الخاتمة تكشف الغاية الأبعد من الدعاء. فالمقصود ليس أن يحصل الإنسان على كل ما يطلب، وإنما أن يصل إلى الرشد. والرشد هو أن يعرف الإنسان كيف يطلب، ومتى يسعى، ومتى يصبر، ومتى يغيّر طريقه، ومتى يقبل ما لا يستطيع تغييره، وكيف يميّز بين حاجته الحقيقية ورغبته العابرة.

قد يطلب الإنسان شيئًا ويظن أن نجاته فيه، ثم يكتشف بعد زمن أن نجاته كانت في عدم حصوله عليه. وقد يتأخر الفرج، لكن التأخير يعلّمه الصبر، أو يكشف له حقيقة نفسه، أو يحرّره من تعلق مرضيّ بشيء من الأشياء. عندها لا يكون الدعاء قد ضاع، بل أدّى وظيفته الكبرى وهي نقل الإنسان من التعلق بالمطلوب إلى الاهتداء بربّ المطلوب.

✍ السيد بلال وهبي
فجر يوم الأربعاء الواقع في: 9/9/2026 الساعة (05:15)