الأربعاء - 09 سبتمبر 2026

سقوط القناع: من حرية الفكر إلى عبودية الممول..(خونة الحرف) نموذجا..!

منذ 23 ساعة
الأربعاء - 09 سبتمبر 2026

محمد علي اللوزي ||

 

 

 

حين يتحول قلم المثقف من أداة للبحث عن الحقيقة إلى قلم مأجور في سوق النفوذ، فالمسألة لم تعد اختلافا في الرأي ولا تباينا في الموقف السياسي، بل سقوطا أخلاقيا مدويا. المثقف الذي يبيع ضميره لمن يدفع، ثم يحرج على الناس متدثرا بثوب الوطنية، لا يمارس دورا ثقافيا، بل يؤدي وظيفة دعائية. إنه لا يكتب لأنه يؤمن بما يكتب، وإنما يكتب لأن هناك من يدفع له كي يقول ما يريد الآخرون قوله،مايملى عليه .
المثقف الحر قد يخطئ، وقد ينحاز، وقد يغير رأيه حين يكتشف خطأ موقفه، لكن ما لا يفعله هو أن يحول قلمه إلى بوق مأجوروادغاء وطني متسخ بالريال السعودي. أما من يراقب اتجاه المال والنفوذ قبل أن يحدد موقفه، ثم يبدل لغته ومبادئه بحسب الجهة التي تمسك بخيوطه، فقد استبدل صفة المثقف بصفة الأجير، واستبدل شرف الكلمة بثمنها ولم يهد يمتلك منها شيئا إنها ملك سيده في الرياض وولي نعمته من يبوصله في الاتجاه الذي يريد.
الأكثر إثارة للاشمئزاز أن بعض هؤلاء يملأون الدنيا صراخا عن الوطنية والسيادة والكرامة، لكنهم يتحولون فجأة إلى جثث صامتة حين يكون المطلوب منهم أن يقولوا كلمة واحدة ضد القوة الإقليمية التي ترعاهم أو تمول منابرهم. يملكون شجاعة فائضة في مهاجمة أبناء بلدهم، لكن شجاعتهم تتبخر عند حدود الرياض فيتحولون الى نساك متعبدين في محراب بن سلمان. يكتبون الصفحات في تخوين اليمنيين، ويعجزون عن كتابة سطر واحد يسائل صاحبة النفوذ عن تدخلها في اليمن. يرفعون راية السيادة في وجه اليمني، ثم يطأطئون رؤوسهم أمام منتهك السيادة ويرون فيه اليسوع المخلص والمنقذ.
وهنا ينكشف زيف الخطاب كله، ليست الوطنية عند هؤلاء مبدأ، وإنما بطاقة وظيفة. ليست السيادة قضية، وإنما شعار يستخدم حين يخدم الجصومة. وليست الحقيقة غايتهم، وإنما ما يرضي الجهة التي ارتبطوا بها. إنهم لا ينظرون إلى اليمن بعين المواطن، بل بعين الوسيطولا يرون الوطن وطنا، بل ساحة للمزايدة ومصدرا للوجع الذي يمكن تحويله إلى مكاسب.
والأشد خزيا أنهم لا يكتفون بالارتهان، بل يتقمصون دور القضاة، فيوزعون شهادات الوطنية والخيانةعلى الناس، ويقررون من هو الوطني ومن هو العميل، وكأنهم نصبوا أنفسهم حراسا على بوابة الوطن. يا لهذه المفارقة البائسة.. من يرفض الوصاية الخارجية يصبح في نظرهم عميلا، ومن يبرر التدخل الخارجي يصبح وطنيامن يرفع صوته دفاعا عن استقلال القرار اليمني يصبح مشبوها، ومن يبرر الارتهان يصبح صاحب قضية!
أي منطق هذا؟ وأي وطنية هذه؟
الوطنية ليست أن تلعن خصومك صباحا ومساء، ثم تصمت أمام من يملك القدرة على محاسبتك أو معاقبتك أو مكافأتك. الوطنية ليست أن ترفع العلم في مقالك بينما تضع قلمك في خدمة من يريد لهذا الوطن أن يبقى منكسرا ممزقا ضعيفا مرتهنا. والوطنية ليست أن تتحدث عن كرامة اليمنيين فيما أنتا عاجز عن الدفاع عن كرامة اليمن حين تتعارض مع مصالح ممولك.
إذا كان المثقف يؤمن بالسيادة، فليؤمن بها دائما. وإذا كان يرفض التدخل الخارجي، فليرفضه أيا كان مصدره. وإذا كان يعتقد أن الارتهان خيانة، فليطبق المعيار على الجميع. أما أن تكون له أخلاق للخصوم وأخلاق للحلفاء، وموازين للداخل وموازين للخارج، فذلك ليس فكرا ولا موقفا، بل انتهازية سياسية مفضوحة بل خيانة فيم ومباديء ووطن.
وفي اليمن، حيث دفع الناس من دمهم وأمنهم ومستقبلهم ثمن هذه الحرب الطويلة، يصبح هذا النوع من المثقفين أكثر خطرا من مجرد كاتب سيئ. لأن المثقف حين يبيع قلمه لا يبيع نفسه وحدها… إنه يشارك في تزوير الوعي، وتجميل القبح، وتبرير الوضاية، وتحويل المأساة الوطنية إلى مادة للاسترزاق السياسي.
إنه يقتات من الجرخ ثم يتظاهر بأنه طبيبه.
وحين تصبح معاناة اليمنيين سلعة في سوق النفوذ، يصبح الصمت نفسه موقفا، والتبرير نفسه مشاركة، والمزايدة على الضحايا نوعا من القسوة السياسية التي لا تستحق الاحترام.
أما ذلك الذي يهاجم القوى الرافضة للارتهان، ويصب جام غضبه على كل من يرفض الوصاية، ثم يصمت أمام من يريد التحكم بمصير اليمن، فليتوقف عن ارتداء ثوب الوطنية. فالثوب لا يصنع وطنيا، وكثرة ترديد كلمة الوطن لا تمنح صاحبها صك براءة. الوطن يعرف أبناءه من مواقفهم، لا من شعاراتهم.
والقلم الذي يكتب ضد أبناء وطنه لأن ذلك يرضي الخارج، ثم يعجز عن كتابة كلمة في وجه الرياض، ليس قلما شجاعا. إنه قلم فقد بوصلته، وتحول من شاهد على الحقيقة إلى شاهد زور.
وليس أقسى على المثقف من أن يصبح أسيرا لمن يدفع له. لأنه عندها لا يعود قادرا على معرفة أين تنتهي قناعته وأين تبدأ وظيفة القلم. ومع الوقت، يصبح الدفاع عن مموله عادة، وتبرير أخطائه عقيدة، ومهاجمة خصومه مهنة، والوطنية مجرد قناع يرتديه كلما احتاج إلى تضليل الناس.لكن الأقنعة لا تدوم.سيبقى المال، مهما كان كثيرا، عاجزا عن شراء التاريخ.

وستبقى المنابر، مهما اتسعت، عاجزة عن غسل أثر المواقف. وقد يستطيع المثقف المأجور أن يخدع بعض الناس لبعض الوقت، لكنه لن يستطيع أن يخدع الذاكرة الوطنية إلى الأبد.
وفي اللحظة التي تسقط فيها المصالح، لن يسأل الناس كم مقالا كتب، ولا كم مرة صرخ باسم الوطنية، ولا كم خصما خون. سيسألون سؤالا واحدا فقط.. أين كان قلمك حين كان الوطن يتألم؟هل كنت مع اليمن، أم مع من يدفع لك كي تتحدث باسم اليمن؟عندها فقط تسقط الأقنعة، وينكشف الأجير مهما بالغ في ارتداء ثوب المثقف، ويبقى القلم الحر شاهدا، بينما يتحول القلم المأجور إلى وصمة في سجل صاحبه. وإن ابغض الاقلام عند الوطن قلما سال مداده بلون الريال ااسعودي. فهل يدرك أجراء الجمهورية إدعاءا وتزلفا وارتهانا، أن بيرق الجمهورية لايرفرف مطلقا من رياح المملكة رياح الشمال العتي الغبي المشتري ذمم المثقف ليسوقه كل دروب الخيانة حتى المسالك الوعرة منها يأنيها حرصا على الأجر وياله من رخص وإهانة وتفاهة يرتديها قلم مرتهن وعميل بائس.