مَقَابِرُ الأحَياء..!
رياض الفرطوسي ||

يتغذى العقل البشري على الكسل؛ فهو جهاز صُمِّم بيولوجياً لتقليل استهلاك الطاقة بأي ثمن. وفي البيئات الثقافية والاجتماعية التي تُحبِط التفكير النقدي وتقتله في مهدِه، يتحول هذا الكسل الفطري إلى كارثة معرفية تُعرف بالصورة النمطية.
نختزل العالم المعقد بفرشاة واحدة غبية، فنضع المخرجين في خانة “الجنون”، والفنانين في خانة “الفوضى”، ونفترض يقينياً أن القيادة حكرٌ على الرجال، متغافلين عن أن التاريخ الإنساني أثبت كفاءة نساء أدرن أزمات دولية بنجاح مثل أنجيلا ميركل، غولدا مائير، ومادلين أولبرايت.
بل إن تقارير منظمة الشفافية الدولية تشير إلى أن المرأة أقل انخراطاً في الفساد الإداري مقارنة بالرجال، في حين قاد زعماء مثل صدام حسين، معمر القذافي، وزين العابدين بن علي بلدانهم نحو الخراب والهاوية.
إن هذه القوالب الجاهزة( أو ما يُعرف بالتابوهات الفكرية) لم تُخلق من فراغ؛ بل صاغتها السينما، والإعلام، والتنشئة الاجتماعية التي أوعزت للعقل أن يُسكِن الأشخاص في خانات ضيقة تجنباً لعناء الفهم.
الخطر الأكبر لهذا التنميط يكمن في سلب الإنسانية عن البشر وتجريدهم من تعقيدهم الداخلي. العقل المُنَمَّط يرفض أن يتخيل الضابط في الحرب عاشقاً أو متضامناً مع الآخر، ويتوقع من الطبيب أن يكون دائماً رحيماً ونزيهاً (مع أنه قد يكون مجرماً يتستر بملائه الأبيض)، ويصم المجرم بالشر المطلق دون احتمال لوجود موقف إنساني نبيل في لحظة ما.
هذا التبسيط المخل هو ما حذّر منه الروائي الفرنسي أونوريه دي بلزاك حين حذر من السقوط في هذه “الحافات الخطرة”، مؤكداً أن الإنسان ليس سطحاً أملساً، بل هو “منجم صفات وقاع عميق”؛ وحين نضع الشخصية في قالب نمطي واحد، فإننا نخلق شخصية ميتة بلا روح.
وقد فكك المفكرون هذه الظاهرة من زوايا متعددة؛ إذ أوضح عالم النفس دانيال كانمان في أبحاثه عن التفكير السريع والبطيء أن الدماغ يعتمد على أنظمة تفكير كسولة للوصول إلى أحكام سريعة تُنتج الصور النمطية تجنباً للتحليل العميق والإجهاد الذهني.
بينما أظهرت الفيلسوفة حنة آرندت في طرحها لمفهوم “تفاهة الشر” كيف أن غياب التفكير النقدي والاستسلام للشعارات الجاهزة يحوّل الأفراد العاديين إلى أدوات في أيدي أنظمة قمعية.
أما الصحفي والتر ليبمان، أول من أدخل مصطلح Stereotype للقاموس الاجتماعي، فقد أكد أننا لا نرى الأشياء ثم نعرّفها، بل نعرّفها أولاً عبر الوسائط الإعلامية ثم نراها وفق تلك الصور المسبقة. وفي الأدب، أثبتت أطروحات فيودور دوستويفسكي أن النفس البشرية أعمق من أن تُحصر في حكم أخلاقي أولي، متوزعة بين أقصى درجات التناقض.
إن مواجهة تنميط العقل تبدأ من الوعي بأن الحقيقة لا تُباع في قوالب جاهزة، وأن التحرر يقتضي التشكيك الدائم في التابوهات السائدة للغوص في قاع الإنسان العميق.




