الأربعاء - 09 سبتمبر 2026

بغداد والبصرة والنجف… مدن بحجم التاريخ وإدارةٌ بحجم الأزمة..!

منذ يوم واحد
الأربعاء - 09 سبتمبر 2026

كاظم الطائي _Nor ||

 

كاظم الطائي

 

 

لم تعد ظاهرة العشوائيات في العراق مجرد مشكلة عمرانية أو نتيجة طبيعية للنمو السكاني، بل أصبحت انعكاسًا مباشرًا لأزمة أعمق تتصل بطريقة إدارة الدولة، وضعف التخطيط الحضري، وهشاشة المؤسسات، وتراجع قدرة الحكومات المتعاقبة على بناء مدن تتناسب مع حجم الموارد والثروات التي يمتلكها العراق.

وتعود جذور تفاقم هذه الظاهرة إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، في مقدمتها الفقر وضعف القدرة الشرائية للفئات محدودة الدخل، وعجز الدولة عن توفير وحدات سكنية مخدومة ومخططة تستوعب الزيادة السكانية والهجرة الداخلية من الريف إلى المدن.

إلا أن اختزال ظاهرة العشوائيات في الفقر وحده سيكون تبسيطًا للمشكلة. فالعراق يمتلك موارد مالية وطبيعية كبيرة كان من الممكن أن تتيح له بناء مدن حديثة وشبكات نقل متطورة وبنى تحتية قادرة على استيعاب النمو السكاني. ولذلك فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بكيفية نشوء العشوائيات، وإنما بكيفية استمرارها وتوسعها في دولة تمتلك هذه الإمكانات.

وهنا تظهر أزمة الإدارة العامة والفساد الإداري والمالي بوصفها أحد العوامل الأساسية التي ساهمت في تعميق الفوارق الاجتماعية والعمرانية. فقد تحولت الثروة العامة، في مراحل عديدة، من أداة لبناء الدولة إلى مورد تتنافس عليه شبكات المصالح السياسية والاقتصادية، في ظل اتفاقات وتفاهمات بين قوى سياسية لم تكن تمتلك بالضرورة مشروعًا وطنيًا واضحًا لإدارة المدن وإعادة بناء مؤسسات الدولة.

بغداد… عاصمة الدولة التي لم تُعامل كعاصمة

تأتي بغداد في مقدمة المدن التي تعاني من الانتشار الواسع للمناطق العشوائية والتدهور العمراني.

وبغداد ليست مدينة عادية؛ فهي عاصمة العراق السياسية والإدارية، وكان يفترض أن تكون النموذج الأول للمدينة العراقية الحديثة. غير أن الواقع العمراني والخدمي الذي تعيشه العاصمة يعكس فجوة كبيرة بين مكانتها التاريخية والسياسية وبين مستوى التخطيط والخدمات والبنية التحتية.

فأزمة بغداد لا تتمثل فقط في وجود الأحياء العشوائية، وإنما في غياب رؤية متكاملة لإدارة المدينة. فالاختناقات المرورية، وقدم شبكة الطرق، وضعف النقل العام، وغياب منظومة مترو متكاملة، وعدم وجود شبكة نقل جماعي حديثة قادرة على ربط أطراف العاصمة بمركزها، كلها مؤشرات على أن التخطيط الحضري لم يعد يواكب حجم المدينة وتوسعها السكاني.

والأكثر إثارة للتساؤل أن العراق لا يعاني من نقص في الموارد البشرية أو المالية التي يمكن أن تسمح له بتطوير قطاع النقل والبنية التحتية. كما أن الاستثمار العالمي في مشاريع النقل والمدن الحديثة ليس أمرًا مستحيلًا، لكن البيئة الإدارية والبيروقراطية والفساد وضعف الحوكمة يمكن أن تتحول إلى عائق أمام دخول الشركات والاستثمارات الكبرى.

وبالتالي، فإن أزمة بغداد ليست أزمة مال فقط، وإنما أزمة قرار وتخطيط وإدارة.

البصرة… ثروة النفط في مواجهة العشوائيات

أما البصرة، بوصفها واحدة من أهم المراكز الاقتصادية في العراق، فتقدم مفارقة أكثر وضوحًا.

مدينة ترتبط بأهم موارد العراق الاقتصادية، وتملك موقعًا استراتيجيًا وموانئ ومنافذ مائية وثروة نفطية هائلة، ومع ذلك ما زالت بعض مداخلها ومخارجها وأحيائها تعاني من مظاهر عمرانية لا تتناسب مع مكانتها الاقتصادية.

فمن الطبيعي أن يتوقع الزائر، عند دخوله إلى مدينة بحجم البصرة وثقلها الاقتصادي، أن يجد بنية تحتية تعكس حجم الثروة التي تنتجها المحافظة. لكن استمرار المناطق العشوائية وضعف النقل العام وغياب منظومة مواصلات حديثة وتراجع بعض شبكات الطرق والخدمات، يكشف أن المشكلة لا تكمن في ندرة الموارد، بل في كيفية تحويل هذه الموارد إلى مشاريع تنموية مستدامة.

لقد أصبح التعامل مع التنمية في بعض الأحيان قائمًا على إنشاء مبانٍ ومشاريع منفردة، بينما يتم إهمال المنظومة الأكبر التي تجعل المدينة قابلة للحياة: الطرق، النقل، شبكات الصرف الصحي، التخطيط السكني، المساحات الخضراء، والخدمات العامة.

فالمدينة الحديثة لا تُقاس بعدد الأبراج والمباني الجديدة، وإنما بقدرتها على توفير بيئة حضرية متكاملة لسكانها.

النجف الأشرف… مدينة المقدسات التي تحتاج إلى مشروع حضاري

أما النجف الأشرف، فإن قضيتها تختلف عن بغداد والبصرة من حيث طبيعة الثقل الذي تحمله.

فالنجف ليست مجرد محافظة عراقية؛ إنها مدينة ارتبط اسمها عبر التاريخ بالإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، وتحتضن مرقده الشريف، كما تضم مقبرة وادي السلام، وترتبط بتاريخ طويل من العلوم الإسلامية والفكر الديني، وأصبحت مقصدًا للزائرين وطلبة العلوم الدينية من العراق والعالم.

ولهذا السبب تحديدًا، فإن مسؤولية الدولة تجاه النجف لا ينبغي أن تكون مسؤولية خدمية عادية، بل مسؤولية حضارية تتناسب مع مكانة المدينة.

فعندما يدخل الزائر إلى النجف الأشرف، فإنه لا يدخل إلى مدينة عادية، وإنما إلى مدينة يحمل اسمها إرثًا دينيًا وحضاريًا يتجاوز حدود العراق.

ومن هنا تبدو المفارقة أكثر وضوحًا: مدينة بهذه المكانة العالمية ما زالت بحاجة إلى منظومة عمرانية ونقل حضري تتناسب مع حجم الزوار والسكان والثقل الديني الذي تمثله.

إن غياب منظومة نقل عام حديثة، وعدم وجود شبكة مترو أو نظام نقل جماعي متكامل، إلى جانب الحاجة إلى طرق أكثر تنظيمًا ومداخل ومخارج حضرية تتناسب مع حركة الزائرين، كلها قضايا ينبغي أن تكون في صلب أي مشروع مستقبلي للنجف.

فالنجف التي يعرفها العالم من خلال اسم الإمام علي عليه السلام ينبغي أن تكون مدينة تعكس شيئًا من هذا الإرث في عمرانها وتنظيمها وخدماتها.

ولا يتعلق الأمر بالترف العمراني، وإنما بصورة المدينة وهويتها وقدرتها على استقبال ملايين الزائرين سنويًا ضمن بيئة حضرية منظمة ومحترمة.

ذي قار وبابل… حضارات عظيمة ومدن لا تزال تنتظر مشروعها

ولا يعني التركيز على بغداد والبصرة والنجف تجاهل مدن عراقية أخرى تعاني من مشكلات مماثلة.

فذي قار، على سبيل المثال، ترتبط بإرث حضاري وتاريخي بالغ الأهمية، ولا سيما مدينة أور التي تمثل إحدى أبرز حلقات التاريخ الإنساني. ومع ذلك، فإن الواقع العمراني والخدمي للمحافظة لا يزال دون مستوى هذا الإرث.

أما بابل، فإنها تحمل اسم واحدة من أعظم الحضارات التي عرفها التاريخ، ومع ذلك لا تزال تعاني من مشكلات في التخطيط والخدمات والبنية التحتية تجعلها عاجزة عن استثمار ثقلها التاريخي والسياحي بالشكل الذي يليق بها.

وهنا تظهر المشكلة العراقية بصورة أكثر وضوحًا: بلد يمتلك مدنًا صنعت جانبًا كبيرًا من تاريخ الإنسانية، لكنه لم ينجح بعد في بناء مدن حديثة تليق بهذا التاريخ.

الحل ليس بإزالة العشوائيات فقط

إن معالجة ظاهرة العشوائيات لا يمكن أن تتم من خلال إزالة البيوت أو نقل السكان من مكان إلى آخر؛ لأن ذلك يعني نقل المشكلة بدلًا من حلها.

الحل الحقيقي يحتاج إلى سياسة وطنية للإسكان والتخطيط الحضري، تقوم على توفير وحدات سكنية ميسرة للفئات محدودة الدخل، وتنظيم الأراضي، وتوسيع المدن وفق مخططات علمية، وربط المناطق السكنية بشبكات الطرق والنقل والخدمات.

كما يحتاج العراق إلى فتح قطاع النقل والبنية التحتية أمام الاستثمار الجاد، ضمن عقود شفافة ورقابة مؤسسية حقيقية، بعيدًا عن المحاصصة والعمولات والاحتكار.

والأهم من ذلك كله هو بناء إدارة محلية قادرة على التخطيط لعشرين وثلاثين عامًا، بدلًا من استمرار الحكومات في التعامل مع المدن من خلال مشاريع متفرقة مرتبطة بالدورة السياسية والانتخابية.

النجف نموذجًا لما ينبغي أن تكون عليه المدينة العراقية

إن إعادة بناء المدن العراقية لا ينبغي أن تكون مجرد عملية إسمنتية تهدف إلى زيادة عدد الأبنية والشوارع.

المدينة الحديثة هي منظومة متكاملة تجمع بين التاريخ والهوية والتنظيم والخدمات والنقل والاقتصاد والسياحة.

ومن هنا يمكن أن تكون النجف الأشرف نموذجًا لمشروع حضري عراقي مختلف: مدينة تحافظ على هويتها الدينية والتاريخية، وفي الوقت نفسه تمتلك شبكة نقل حديثة، وطرقًا منظمة، ومداخل تليق بمكانتها، وفنادق ومرافق سياحية، ومساحات عامة، وخدمات إلكترونية، وبنية تحتية قادرة على استقبال الزائرين والسكان بصورة تليق بالمدينة.

إن النجف لا تحتاج إلى أن تفقد هويتها لكي تصبح مدينة حديثة؛ بل تحتاج إلى أن تجعل حداثتها امتدادًا لهويتها.

بالتالي
إن ظاهرة العشوائيات في العراق ليست مجرد مشهد عمراني قبيح، وإنما هي مرآة لأزمة أعمق في الدولة والمجتمع والإدارة.

فحين تكون بغداد، عاصمة الدولة، عاجزة عن بناء منظومة نقل حديثة؛ وحين تكون البصرة، مركز الثروة النفطية، محاطة بمظاهر الفقر والعشوائية؛ وحين تكون النجف، مدينة الإمام علي عليه السلام ومركزًا دينيًا عالميًا، بحاجة إلى بنية حضرية تليق بمكانتها؛ وحين تقف ذي قار وبابل أمام إرثهما الحضاري الكبير دون استثمار حقيقي، فإن المشكلة لا تعود مشكلة مدينة بعينها.

إنها مشكلة مشروع دولة

العراق لا يفتقر إلى الثروة، ولا إلى التاريخ، ولا إلى المدن القادرة على أن تكون مراكز اقتصادية وسياحية وحضارية عالمية؛ ما ينقصه هو إدارة تحول هذه الإمكانات إلى واقع.

ولهذا فإن معركة العراق القادمة لا ينبغي أن تكون فقط مع العشوائيات، وإنما مع العقلية التي أنتجتها وسمحت باستمرارها.

فالعراق الذي أنجب بغداد والبصرة والنجف وأور وبابل، ويجلس فوق واحدة من أهم ثروات العالم، يستحق مدنًا لا تعكس فقر الإدارة، بل تعكس عظمة المكان والتاريخ والإنسان.