الأربعاء - 09 سبتمبر 2026

الآخر: ذلك المرآة التي نخاف أن ننظر فيها..!

الأربعاء - 09 سبتمبر 2026

علي مؤيد محي الدين ||

 

 

“نحن نولد وفي أعيننا براءة لا تعرف التمييز، نرى العالم كاملاً واحداً، لا أبيض ولا أسود، لا قريباً ولا غريباً. لكننا مع الأيام نتعلم أن هناك ‘آخرين’، وكأن كلمة ‘آخر’ ذاتها تحمل في طياتها شيئاً من التهديد، شيئاً من الغموض المريب. في زمن طغت فيه وسائل التواصل وجعلت العالم قرية صغيرة، ازدادت المسافات بين القلوب، وتضخمت الهوات، وصار الخوف من المختلف ظاهرة كونية لا تعترف بحدود. فهل نفر من الآخر لأنه مختلف حقاً، أم لأننا نخشى أن يكون مرآة تعكس لنا عيوبنا؟ وهل يمكن لإنسانيتنا المشتركة أن تكون جسراً فوق هوة هذا الخوف العميقة؟”

في الفلسفة الوجودية، لا وجود لـ”الأنا” دون “الآخر”. فكما أن الظل يثبت وجود الضوء، فإن الآخر هو من يمنحنا وعينا بذواتنا. فمسؤوليتنا تجاه الآخر هي ما يجعلنا بشراً، وليس العقل أو اللغة.
لكن في واقعنا العربي المعاصر، غالباً ما يُنظر إلى الآخر بعين الريبة. فالآخر هو من لا يشبهنا، من لا يفكر مثلنا، من لا ينتمي إلى جماعتنا. وهنا تكمن المأساة: نحن لا نخاف من الآخر بذاته، بل نخاف من فكرة الاختلاف نفسها. وكأننا نصر على أن تكون صورتنا للعالم هي الصورة الوحيدة الصحيحة، وكل ما يخالفها هو تهديد وجودي يجب قمعه أو استبعاده.

لم ينشأ الخوف من الآخر من فراغ. إنه متجذر في تركيبنا النفسي والاجتماعي:

الغريزة القبلية: الإنسان القديم كان يرى في الغريب خطراً على موارده ونمط حياته. هذه الغريزة ما زالت تعمل في لاوعينا، رغم أن العالم تغير.
التربيه والمجتمع: ننشأ في بيئات تلقننا أن “نحن” خير أمة، و”هم” أقل شأناً. الأغاني الوطنية، الكتب المدرسية، حتى النكات الشعبية، كلها تعزز ثنائية “نحن” و”هم”.

السياسةوالإعلام: تُستخدم صورة “الآخر” ككبش فداء في الأزمات. حين تفشل الحكومات، تبحث عن عدو خارجي أو داخلي مختلف لتلقي عليه مسؤولية الفشل. وهنا يتحول الآخر من مجرد مختلف إلى خطر يجب محاربته.
المفارقة العجيبة أننا في العالم العربي، الذي عرف أعظم حضاراته حين انفتح على الآخرين (اليونان، فارس، الهند، وحتى أوروبا في الأندلس)، أصبحنا اليوم أكثر انغلاقاً على ذواتنا. نفتخر بماضٍ تنوعي، ونعيش حاضراً استقطابياً.

مع الثورة الرقمية، ظننا أننا سنتقرب من الآخرين، لكن ما حدث كان العكس تماماً. فبدلاً من أن تكون وسائل التواصل جسوراً، تحولت إلى جدران إلكترونية.
· ظاهرة غرف الصدى: الخوارزميات تصمم لنا عالماً رقمياً يشبهنا تماماً. لا نرى إلا من يتفق معنا، ولا نقرأ إلا ما يعزز قناعاتنا. وبهذا يصبح الآخر مجرد صورة مشوهة في منصة أخرى، نعتقد أننا نعرفه بينما لا نعرف عنه سوى ما تسمح لنا الخوارزمية برؤيته.
· خطاب الكراهية الرقمي: أصبح الهجوم على الآخر أسهل ما يكون خلف شاشة مضيئة. نُهين، نشتم، نصدر أحكاماً، دون أن نرى وجهه. وفي هذا السياق، يتحول الآخر من إنسان مختلف إلى أيقونة للشر، يُسقط عليها كل إحباطاتنا.

وهنا يأتي السؤال الأخلاقي الأهم: كيف نستعيد إنسانية الآخر في زمن تحول فيه البشر إلى بيانات وأيقونات؟

الآخر غنىً لا تهديداً
في قلب كل أزمة هوياتية نعيشها، هناك حقيقة مغيبة: التنوع هو أساس الحياة، وأنقى صورها. البيئة التي تخلو من التنوع البيولوجي تموت، والثقافة التي تخلو من التنوع الفكري تتحجر.

· عندما التقى العرب باليونان، لم يخسروا هويتهم، بل أغنوها بالفلسفة والطب والرياضيات.
· عندما انفتحت أوروبا على الثقافة الإسلامية في الأندلس، ولد عصر النهضة.
· حتى على المستوى الشخصي، كل علاقة حقيقية مع شخص مختلف عنا توسع مداركنا وتقلب موازيننا الذهنية، وهو ما قد يكون موجعاً في البداية لكنه مثمر في النهاية.

الآخر يحمل لنا ما لا نملكه: لغة أخرى، موسيقى مختلفة، طريقة في الحب، مفهوم آخر للموت، فلسفة حياتية نافعة. أن نغلق بابنا في وجهه ليس دفاعاً عن الذات، بل حرماناً لها من فرصة النمو.

كيف نبني جسوراً لا جدراناً؟

البناء مع الآخر يتطلب وعياً جديداً، ليس قائماً على التسامح السلبي فقط، بل على الاعتراف الإيجابي. والاعتراف هنا يعني:
أن نعترف بأن الآخر ليس امتداداً لنا، ولا نسخة مشوهة منا، بل هو كيان قائم بذاته يستحق الاحترام، حتى لو لم نفهمه أو نتفق معه.
أن نتخلى عن فكرة “الإقناع” كهدف للحوار، ونتبنى “الفهم” كغاية. أن نحاول معرفة لماذا يفكر الآخر بهذه الطريقة، بدلاً من محاولة تغيير
عقيدته.
أن نبدأ من القواسم المشتركة، لا نقاط الخلاف. كلنا نحب أبناءنا، نخاف الموت، نبحث عن السعادة، نعاني الألم. هذه الأرضية الإنسانية المشتركة هي ما يجب أن يقوم عليه أي لقاء مع الآخر.

في الثقافة العربية الإسلامية، نجد مفاهيم رائعة عن الآخر: مفهوم “العهد” و”الجوار” في الإسلام، ومفهوم “المواطنة” الذي تجاوز الانتماء القبلي والديني إلى الانتماء الوطني الجامع. لكن هذه المفاهيم تحتاج إلى إحياء، لا إلى استرجاع كلماتها فقط.

“الآخر ليس نقيضنا، وليس تهديداً لنا. الآخر هو امتداد لنا في اتجاه لم نخضه بعد، هو جزء من إنسانيتنا التي لا تكتمل إلا بتنوعها. في النهاية، كلنا ‘آخرون’ بالنسبة لشخص ما. كلنا غرباء في مكان ما. ربما تكون اللحظة التي ندرك فيها أننا أيضاً قد نكون ‘الآخر’ في عين غيرنا، هي اللحظة التي ننخلع فيها من قوقعة التعالي وننفتح على رحابة الوجود. نحن لا نحتاج إلى التخلي عن هويتنا لنحتضن الآخر، بل نحتاج إلى إنسانيتنا المشتركة لكي تبقى هوياتنا حية ونابضة.

الكاتب
علي مؤيد العبيدي