الأربعاء - 09 سبتمبر 2026
منذ يومين
الأربعاء - 09 سبتمبر 2026

ميخائيل عوض / لبنان ||

 

 

وإنما تنتقل بصورة منهجية إلى:ماذا يعني ما حدث؟ ، إلى أين يقود؟ ، ما السيناريو التالي؟ ، ما نقطة التحول؟ وما الذي يمكن أن يغيّر المسار؟
في قراءة مترابطة لمسار الحرب الممتدة في المنطقة والعالم، واضعاً التطورات اللبنانية والإيرانية والتركية ضمن إطار أوسع نعتبر حرباً عظمى يخوضها نموذج العالم القديم لمحاولة إجهاض ولادة الغالن الجديد وعلى شكل المنطقة وتوازناتها المقبلة.

إن الحرب الراهنة لم تعد مجرد جولات منفصلة بين إسرائيل وإيران أو إسرائيل والمقاومة في لبنان وغزة، بل أصبحت حرباً متعددة الجبهات والمسارح والمستويات، تتداخل فيها الجبهات العسكرية والاقتصادية والسياسية والإعلامية، فيما تتجه المنطقة ـ بحسبقراءتنا ـ نحو جولات فاصلة ستحدد بصورة أكبر من المنتصر ومن المهزوم، ومن يملك حق صياغة النظام الإقليمي الجديد.

*حرب لم تتوقف… وإنما تبدلت مسارحها*

نرى أن العالم يعيش مرحلة من «الشد والجذب»، لكن هذا التعبير لا ينبغي أن يحجب حقيقة أساسية فالحرب مستمرة، ولن تتوقف قبل أن تفضي إلى معادلة واضحة بين منتصر ومهزوم.

ونضع هذه الحرب في سياق أوسع من الصراع التقليدي، نعتبر أنها حرب مرتبطة بـتغيير الأزمنة وإيقاع التحولات وانبثاق عصر إنساني جديد، في مقابل محاولة الولايات المتحدة وإسرائيل وحلفائهما الحفاظ على منظومة عالمية آخذة في التراجع.

وفي هذا السياق، نتوقف عند الضغوط والتهديدات الأميركية المتكررة ضد إيران، بما فيها التلويح بضرب مواقع إيرانية، نعتبر أن زمن الانتخابات والأزمات البنيوية في الولايات المتحدة وإسرائيل يدفع القيادات إلى مزيد من التصعيد والمغامرة.

بالإشارة إلى مجموعة من الأزمات التي تضرب النظام الغربي: الديون، التضخم، البطالة، ارتباك القيادات، والأزمات السياسية والاجتماعية، نعتبر أن الأدوات التي استخدمتها الولايات المتحدة خلال حقبة الهيمنة ـ من الاستخبارات إلى الحروب والضغوط الاقتصادية ـ أصبحت أقل قدرة على إنتاج النتائج السابقة.

بل إننا نذهب أبعد من ذلك، نحذر من أن الصراع قد يتسع إلى أوروبا نفسها، مع تزايد الحديث عن احتمال مواجهة مباشرة بين روسيا ودول أوروبية، ولا سيما ألمانيا وبريطانيا، نتيجة تورطهما المتزايد في الحرب الأوكرانية.

وبالنسبة إلينا ، فإن السؤال لم يعد: هل ستتغير طبيعة الحرب؟
بل أصبح: متى ستصل إلى الجولة الفاصلة التي تفرض معادلة جديدة؟

*ثلاث سنوات على الطوفان العجائبية مكاسب تكتيكية لا تغيّر الميزان الاستراتيجي*

وفي حصيلة السنوات الثلاث الماضية، نعتبر أن إسرائيل استطاعت تحقيق بعض المكاسب التكتيكية في غزة والضفة الغربية ، وأن «مذبحة الضفة» مستمرة، إلا أن هذه المكاسب لا تعني في العلم العسكري أن إسرائيل أو الولايات المتحدة استطاعتا تحقيق أهدافهما الاستراتيجية.

أما في سوريا ولبنان، فنرى أن التطورات أخذت منحى أخطر، وخصوصاً بعد انهيار النظام السوري وتسليم مفاصل القرار في لبنان، بما يخدم المصالح الأميركية والإسرائيلية.

ونتوقف عند ضربة البيجر واغتيال عدد من القادة في لبنان، نعتبر أنها أحدثت تأثيراً مهماً في بنية إدارة الصراع، وليس في قدرات الرجال أنفسهم.

ونشدد هنا على فكرة أساسية:

> المشكلة، في رأينا ، لم تكن في «الرجال» الذين نعتبرهم أصحاب خبرة وتجربة وأساطير في القتال، وإنما في إدارة الصراع وفي الظروف التي فُرضت على الساحة اللبنانية.

ومن هذه الزاوية نرى أن النتيجة السياسية كانت، بحسب التوصيف ، انتقالاً واسعاً في القرار اللبناني نحو النفوذ الأميركي المباشر.

*ترامب يضغط اقتصادياً وعسكرياً… لكن الحصار لم يعد سلاحاً حاسماً*

بالنظر إلى الاستراتيجية الأميركية تجاه إيران وبإعتبارها تقوم على مزاوجة مسارين:

1. الضغط الاقتصادي والحصار والعقوبات.

2. الضربات العسكرية المحدودة والاستنزافية.

لكننا نعتبر أن العقوبات الاقتصادية فقدت كثيراً من فعاليتها، بعدما استخدمت لسنوات طويلة ضد إيران ودول أخرى من دون أن تحقق الهدف السياسي المعلن منها.

وبالتالي، فإن واشنطن ـ من وجهة نظرنا ـ تحاول الجمع بين أقصى ما تستطيع من الضغط الاقتصادي وبين ضربات محسوبة لا تصل إلى حرب شاملة، بهدف الاستنزاف والإرهاق وإضعاف الخصم.

ونربط هذا السلوك أيضاً بحسابات داخلية أميركية تتصل بالاقتصاد والانتخابات والمضاربات الاقتصادية، إن إدارة ترامب لا تفصل بين الحرب الخارجية وبين مصالحها السياسية والاقتصادية الداخلية.

لكن الخلاصة التي نصل إليها هي أن هذه الأدوات، حتى اللحظة، لم تغير التوازنات الاستراتيجية الكبرى.

*اليمن: القوة التي صعدت من الهامش إلى مركز المعادلة*

من أبرز المحاور التي نركز عليها في الدور اليمني.

فاليمن، في قراءتنا ، ليس مجرد جبهة عسكرية إضافية، بل يمتلك عناصر استراتيجية متعددة: الموقع، الثروات، البحار، خطوط النقل، الكتلة الاجتماعية، والمساحة الجغرافية والخبرة العسكرية والقدرة القتالية العالية إضافة إلى المنظومة الأمنية التي أثبتت أنها عصية على الاختراق.

ولهذا نرى أن اليمن أصبح أحد المحركات الأساسية للأحداث، وأنه سيكون ـ بالضرورة ـ واحداً من القوى المحورية في إعادة تشكيل التوازنات في المنطقة.

نضع اليمن ضمن عملية أوسع تمتد من

الخليج وشبه الجزيرة العربية ، شمال الجزيرة ، الشام و العراق.

ونربط ذلك أيضاً بالحرب الأوكرانية والتحولات العالمية، وبالمنافسة الكبرى على الموقع الاقتصادي والعسكري الأول في العالم.

فالمسألة، في نظرنا، ليست فقط حرباً على بلد أو جبهة، بل صراع على انتقال مركز الثقل العالمي من الولايات المتحدة والغرب إلى أوراسيا والشرق.

*إيران أمام لحظة المبادرة: هل تنتقل من الدفاع إلى الهجوم؟*

نرى أن كثيراً من المؤشرات والتصريحات المنسوبة إلى مسؤولين إيرانيين أو مقربين منهم توحي بأن إيران عملت على استكمال استعداداتها وتنظيم أدواتها العسكرية والاقتصادية وأن إيران تقف عند عتبة الانتقال من «الدفاع الحمائي/الصبر الاستراتيجي» إلى «المبادرة الهجومية وإدارة الحرب»،
وأن السؤال أصبح: متى تفعل ذلك؟ ومتى تستخدم إيران هذه العناصر؟ وكيف؟ وبأي مستوى من القوة؟

ونكرر هنا الفكرة عن أن ميزان القوى الموضوعي، كما نؤكد تماما يميل لمصلحة إيران ومحور المقاومة على مستوى عناصر القوة الاحتياطية، وتعدد المسارح، والقدرة على الاستنزاف، والجغرافيا.

غير أن امتلاك عناصر القوة لا يعني بالضرورة استخدامها.

ومن هنا نوجه انتقاداً واضحاً لفكرة البقاء في موقع رد الفعل، لأن الحرب الطويلة والاستنزافية، بحسب المنطق العسكري، باتت تحتاج إلى مبادرة.

فالطرف الذي يترك خصمه يحدد دائماً توقيت الضربة، وشدتها، ومسرحها، يمنح خصمه زمناً إضافياً لتحقيق مكاسب سياسية وعسكرية.

إن إيران «أكملت العدة والاستعداد ونظمت أمورها» والسؤال: «هل ومتى سيفعل الإيراني تلك العناصر؟»
وأن «الزمن قاتل والمبادرة هي أساس النصر».
و لماذا ترك ترامب ونتنياهو «يستثمرون» في الزمن، ويجب أن تقود إيران هذه الحقبة لا أن تترك الآخرين يقودونها.
وأن ربط أي وقف لإطلاق النار بالاشتباك مع إسرائيل يمكن أن يقلب المعادلة.
وهذا يتطابق مع الخط التحليلي الأوسع في الفترة الأخيرة؛ فالانتقال المطلوب من «الدفاع الناجح إلى مرحلة المبادرة الهجومية»، بحيث تصبح إيران هي التي تفرض قواعد الاشتباك وتحدد إيقاع الحرب وتوقيتها.

*لبنان: «الصاعق» الذي قد يستدرج الجولة الفاصلة*

في قلب الحلقة يأتي لبنان.
إن الساحة اللبنانية مرجحة أن تتحول إلى «الصاعق» الذي يستدرج الجولة المفصلية أو الفاصلة في الحرب.

وأن إسرائيل، وبالتنسيق مع إدارة ترامب، تحاول الاستثمار في الوقت.

فبدلاً من دخول إسرائيل في اشتباك مباشر مع إيران، وهو السيناريو الذي نعتبره بالغ الخطورة على إسرائيل، يجري العمل على إبقاء إسرائيل بعيداً عن خط النار الإيراني المباشر، مع استمرار الضربات والضغط على الجبهات الأخرى.

وبحسب قراءتنا فإن هذا التكتيك يسمح لإسرائيل بالحصول على مكاسب من دون دفع الثمن الكامل للمواجهة المباشرة مع إيران.

لكننا نعتقد أن استمرار هذه المعادلة يطرح سؤالاً أساسياً:

لماذا لا يتم نقل المعركة إلى الطرف الأكثر حساسية بالنسبة إلى الولايات المتحدة وإسرائيل؟ أي إلى إسرائيل نفسها.

*علي الطاهر: سقوط موقع أم سقوط منظومة؟*

نخصص مساحة واسعة لما جرى في علي الطاهر، رافضين التعامل معه باعتباره مجرد موقع عسكري سقط أو تعرض لضغط إسرائيلي.

فالقلق، في رأينا، ليس من القيمة العسكرية المجردة للموقع، وإنما من الطريقة التي يجري بها تسويق الحدث إعلامياً وسياسياً.

ويذكّر بأن إسرائيل سبق أن احتلت الجنوب اللبناني بأكمله، ووصلت في مراحل سابقة إلى بيروت، وسيطرت على مواقع استراتيجية عديدة.

وبالتالي، فإن السيطرة على موقع دفاعي ـ مهما كانت أهميته ـ لا تعني السيطرة على الفعل المقاوم ورجال السلاح.

ونطرح سؤالاً عسكرياً مباشراً:

إذا كانت إسرائيل قد سيطرت على المنطقة، فلماذا تستمر في قصفها؟

ومن هنا نستنتج أن الحديث عن «السيطرة» يحتاج إلى تدقيق؛ فالقصف المستمر يعني، في نظرنا، أن السيطرة الميدانية الكاملة لم تتحقق بالشكل الذي يحاول الخطاب الإعلامي تصويره.

*القيمة الحقيقية لعلي الطاهر: كشف حجم التوحش وتآمر السلطة وصمود المقاومين*

لا ننكر القيمة العسكرية للموقع، لكننا نرفض تضخيمها وتحويلها إلى «إنجاز استثنائي» لإسرائيل.

ونقول إن موقعاً دفاعياً يمكن أن يؤدي وظيفة محددة، وعندما تنتهي هذه الوظيفة تنتهي أهميته العسكرية المباشرة، بينما تبقى قيمة العملية في سياق الحرب الأشمل.

ونذهب إلى أن علي الطاهر أدى، وظيفة استراتيجية أخرى أكثر أهمية حيث أنه كشف حجم التوحش المستخدم ضده، وحجم الإصرار الإسرائيلي على تدميره.

وأن أشهر من القتال والهجمات المتكررة واستخدام مختلف أنواع الذخائر والأسلحة، باستخدام أسلحة محرمة دولياً.
وفي سياق مواز كشفت الصمود الأسطوري الذي أبداه
رجال المقاومة على مدار أشهر أربك الآلة العسكرية الإسرائيلية وكان السبب في خسائر يسمح الإعلام العسكري للعدو بالكشف عن جزء منها بين فترة وأخرى،
و كشف التواطؤ أو العجز العربي والدولي عن مواجهته.

لكن المفارقة الأكبر بالنسبة إلينا هي أن المعركة لم تكشف إسرائيل فقط، بل كشفت أيضاً طبيعة المنظومة السياسية اللبنانية التي أصبحت مكشوفة أمام اللبنانيين. نرى أن علي الطاهر صمد بمقاومته ورجاله والذي سقط هو هذه السلطة اللبنانية التي انتدبت لتدمير لبنان وتسليمه للمشروع الأمريكي الإسرائيلي، وأن تكون الخنجر في ظهر المقاومة.

*علي الطاهر يحتاج نتنياهو إلى «إنجاز إعلامي»*

في الربط بين التركيز الإسرائيلي على علي الطاهر وبين حاجة بنيامين نتنياهو إلى تحقيق صورة انتصار.

فنتنياهو، الذي يواجه إخفاقات وضغوطاً سياسية وانتخابية وعسكرية، يحتاج إلى إنجاز يمكن تسويقه للرأي العام الإسرائيلي.

من هنا يصبح احتلال موقع أو تدمير موقع دفاعي مادة دعائية يمكن تقديمها باعتبارها انتصاراً استراتيجياً.

لكننا نميز بين:

القيمة العسكرية للموقع

والقيمة الإعلامية والسياسية للعملية، ونرى أن الأخيرة قد تكون أكبر بكثير من الأولى.

المفارقة التي نريد إبرازها: خسارة الموقع قد تكون انتكاسة في الصورة الشعبية والمعنوية، لكنها لا تعني بالضرورة هزيمة القوة المقاتلة أو انهيار المقاومة عسكرياً. وهذا يتسق مع طرحنا حول أن قيمة علي الطاهر تجاوزت الجغرافيا العسكرية وأصبحت مرتبطة بإرادة الصمود ومعنى الموقف في الحرب.

*علي الطاهر: خسارة الموقع لا تعني خسارة المقاومة*

وفي المقابل، نلفت إلى ضرورة التمييز بين الخسارة الميدانية لموقع وبين الهزيمة الاستراتيجية للمقاومة. فسقوط موقع مثل علي الطاهر، إذا ثبت أنه حدث، سيكون بلا شك انتكاسة شعبية ومعنوية في بيئة المقاومة؛ لأن الناس لا تنظر إلى التلة باعتبارها مجرد إحداثية عسكرية، بل باعتبارها رمزاً للصمود ومقياساً لقدرة المقاومة على منع العدو من فرض أمر واقع جديد. لكننا نرى أن هذه الخسارة، مهما كانت مؤلمة، لن تكون بالضرورة انتكاسة للمقاتلين أنفسهم؛ فالمقاتل الذي يخوض المعركة يعرف أن الحرب ليست سلسلة من المواقع التي لا تسقط، وإنما صراع إرادات واستنزاف وقدرة على إعادة التموضع واستمرار القتال. وقد سبق أن شددنا على أن الجغرافيا والتحصينات لا تنتصر وحدها، وإنما الرجال الذين يعرفون الأرض والعدو وكيفية تحويل الضغط إلى استنزاف.

ومن هنا يبرز في طرحنا واجب المقاومة في مخاطبة جمهورها بوضوح وصدق: إذا كان قرار الانسحاب من موقع ما مرتبطاً بحساب عسكري، فعليها أن تشرح للناس لماذا اتُّخذ القرار، وما الذي حُفظ مقابله، وما هي الخطة التالية. أما ترك البيئة الشعبية أمام رواية العدو، بحيث يتحول سقوط موقع إلى صورة عن انهيار المقاومة كلها، فهو خطأ سياسي وإعلامي قد تكون كلفته أكبر من الخسارة العسكرية نفسها. فالمعركة، في قراءتنا، ليست فقط في الميدان؛ إنها أيضاً معركة الرواية والثقة والمعنويات. ولذلك فإن المطلوب ليس أن توهم المقاومة جمهورها بأن كل موقع غير قابل للسقوط، بل أن تجعل جمهورها يفهم ماذا خسرنا، وماذا حافظنا عليه، ولماذا، وإلى أين نذهب بعد ذلك.

وهنا تحديداً تصبح علي الطاهر، في رؤيتنا ، اختباراً يتجاوز التلة نفسها: هل تستطيع المقاومة أن تحوّل خسارة تكتيكية محتملة إلى مجرد مرحلة في معركة أطول، أم يسمح غياب التوضيح بتحويلها إعلامياً ونفسياً إلى هزيمة استراتيجية؟ وهذه هي النقطة التي تجعل الشفافية مع البيئة الشعبية جزءاً من القدرة القتالية نفسها، لا مجرد وظيفة إعلامية. فالعدو يريد أن يجعل من سقوط الموقع دليلاً على سقوط المعادلة، بينما المطلوب أن يبقى الحكم على المعادلة من خلال استمرار القدرة على القتال، ومن يملك المبادرة، ومن يفرض كلفة الحرب، ومن يمنع الخصم من تحويل مكسب تكتيكي إلى انتصار سياسي واستراتيجي. وإن كان بطبيعة الحال نؤكد أن للمقاومة القرار في اتخاذ ما تراه مناسبا في الميدان والاعلام.

*من علي الطاهر إلى النبطية فالزهراني: قراءة في «قوس السيطرة»*

لا نتعامل مع علي الطاهر كحدث منفصل، بل نضعه ضمن خريطة جغرافية أوسع.

فبحسب قراءتنا، فإن السيطرة النارية على هذه المنطقة تفتح الطريق نحو مواقع أكثر أهمية، ولا سيما النبطية وتلالها، وصولاً إلى الزهراني.

وهنا تظهر في تحليلنا أهمية الزهراني باعتبارها منطقة ذات قيمة استراتيجية واقتصادية، نظراً إلى وجود منشآت ومرافق مرتبطة بالنفط والغاز والطاقة. ويعيد إلى الواجهة ما حذرنا منه مرارا أن مشروع ترامب الاستثماري في لبنان يمر من السيطرة على مصبات الزهراني وهذا ما قاله مبعوثه الخاص توماس براك وسفيره ميشال عيسى اللبنانيان الأصل منذ البداية.

ونطرح ما نعتبره قوساً جغرافياً للمشروع الإسرائيلي ـ الأميركي يمتد من:

الناقورة ،الجنوب اللبناني وصولا إلى جبل الشيخ القلمونين السوري واللبناني.

ونعتبر أن الهدف النهائي ليس مجرد السيطرة على موقع أو بلدة، وإنما إعادة تشكيل المجال الجغرافي والاقتصادي للمنطقة لمشروع ترامب

*الاقتصاد في قلب الحرب: لبنان كمنطقة اقتصادية*

من أخطر النقاط التي نطرحها الربط بين العمليات العسكرية وبين مشروع اقتصادي إقليمي.

نرى أن لبنان يجري التعامل معه، وفق هذا التصور، باعتباره جزءاً من منطقة اقتصادية واسعة ترتبط بالنفط والغاز وخطوط الأنابيب والسكك الحديدية والمرافئ والمطارات.

ومن هنا نرفض فصل الحرب العسكرية عن مشاريع إعادة تنظيم الاقتصاد الإقليمي.

فالسيطرة على الأرض، بالنسبة إلينا ليست هدفاً بحد ذاته؛ وإنما يمكن أن تكون وسيلة لتأمين الممرات والموانئ والطاقة وخطوط التجارة.

وبالتالي تصبح الحرب، في هذا التصور، معركة على الجغرافيا وعلى الموارد في آن واحد.

*الأسرى اللبنانيون: وهم «إنجاز تفاوضي» و مفارقة سياسية*

نتوقف كذلك عند إطلاق خمسة لبنانيين من السجون الإسرائيلية. والذي تبين أنهم خمسة مواطنين مدنيين تم الاعتداء عليهم في الأرض اللبنانية وأسرهم.

ونطرح السؤال حول الظروف التي وصل فيها هؤلاء إلى الأسر، ننتقد ما نعتبره غياباً سابقاً للاهتمام الرسمي بقضيتهم.

ثم ننتقد تحويل إطلاقهم إلى إنجاز تفاوضي كبير، نعتبرأن المفارقة تكمن في أن الدولة اللبنانية في الأساس لم تبذل جهداً كافياً لمعرفة مصيرهم قبل أن تصبح قضيتهم جزءاً من مسار تفاوضي تديره إسرائيل.

ومن هنا نصف الأمر باعتباره مفارقة سياسية وإعلامية: ما كان ينبغي أن يكون واجباً وطنياً عادياً يصبح لاحقاً إنجازاً تفاوضياً يتم تسويقه على أنه مكسب كبير. وأن نتنياهو وافق على منح السلطة اللبنانية وهم إنجاز لتمرير ما هو أخطر وذلك بمعرفة وتسليم هذه السلطة.

*كيف يمكن وقف المسار الإسرائيلي؟ إيران هي المفتاح *

نرى أن المسار الإسرائيلي ليس قدراً محتوماً.

لكن إيقافه، في تقديرنا، يحتاج إلى تغيير قواعد الاشتباك.

ونضع المسؤولية الأساسية هنا على إيران، باعتبار أن لديها القدرة على ربط أي هدنة أو وقف إطلاق نار أو جولة تفاوضية مع واشنطن بوقف الاشتباك المباشر مع إسرائيل أو بإجبار إسرائيل على دفع ثمن الحرب.

وبحسب المنطق، فإن إسرائيل تعاني من مشكلات متراكمة تتعلق بـ:

نقص العديد.

تراجع المعنويات.

نقص الذخائر.

ارتفاع كلفة الحرب.

صعوبة تمويل الجيش.

الضغوط الاقتصادية والاجتماعية.

ونرى أن إسرائيل تحاول لذلك تجنب الاشتباك المباشر، والاعتماد أكثر على التفوق الجوي، والقصف بعيد المدى، والطائرات المسيّرة، والعبوات، والعمليات التي تقلل احتكاك قواتها البرية المباشر بالمقاومين.

ومن هنا نعتقد أن الضغط على إسرائيل نفسها يمكن أن يغير الحسابات بصورة جذرية.

*«القرار عند المحارب»:

رغم انتقادنا لسياسة الانتظار، نوضح أننا لا نريد أن نتدخل في القرار العسكري للمقاومة.

إن المحاربين هم أصحاب القرار، وإن لديهم خبرتهم ومعرفتهم بالميدان، وقد أثبتوا خلال سنوات طويلة قدرتهم على الصمود والمفاجأة.

لكنه، في الوقت نفسه، نرى أن من حق المحلل أن يطرح الأسئلة الاستراتيجية:

إذا كانت إسرائيل تركز النار على مناطق محددة، فلماذا لا تُفتح أمامها جبهات أخرى؟
إذا كانت الحرب استنزافاً طويلة الأمد، فمن الذي يجب أن يدير الاستنزاف؟
وإذا كانت إسرائيل تحقق مكاسب متدرجة، فهل يكفي الاكتفاء بالدفاع؟

وهذه الأسئلة تقودنا إلى فكرة أساسية:

المبادرة عنصر أساسي في حسم الحرب الطويلة.

*إسقاط العهد يفتح الطريق أمام تغيير المعادلة اللبنانية*

ننتقل من العسكري إلى السياسي، ونطرح فكرة شديدة الحساسية تتمثل في إسقاط الغطاء السياسي الذي جاء داعماً للمشروع الأميركي ـ الإسرائيلي في لبنان.

ونرى أن أحد أهم عناصر قوة المشروع الخارجي هو وجود سلطة لبنانية توفر له غطاءً دستورياً وسياسياً.

فإذا سقط هذا الغطاء، عندها ، تصبح قدرة المشروع على تنفيذ خطواته غير ممكنة.

ونستشهد بتاريخ لبنان نفسه، نعتبر أن البلاد عاشت خلال العقود الماضية فترات طويلة من الفراغ الدستوري، ومع ذلك استمرت مؤسسات الدولة.

لذلك لا نرى أن الفراغ الدستوري بالضرورة أخطر من استمرار منظومة سياسية وجودها كان في الأساس غطاءً لمشروع خارجي.

*ماذا يحدث إذا فقد المشروع «غطاءه الدستوري»؟*

نعتقد أن إزالة الغطاء السياسي قد تفتح المجال أمام المؤسسات الأمنية والعسكرية للتحرك بصورة مختلفة، بعيداً عن القيود السياسية التي نراها مفروضة عليها.

ونطرح سيناريو نرى فيه أن الجيش وقوى الأمن ومؤسسات الدولة الأمنية يمكن أن تتحرر من بعض الضغوط السياسية التي تمنعها من اتخاذ قرارات تتصل بالصراع.

لكن الأهم بالنسبة إلينا هو أن سقوط هذه المنظومة السياسية يمكن أن يفتح الباب أمام إعادة النظر في النظام اللبناني نفسه.

وهنا نستعرض مجموعة من الخيارات المطروحة في النقاش اللبناني:

– تطبيق ما تبقى من اتفاق الطائف.

– إعادة فتح النقاش حول النظام السياسي.

– إعادة النظر في طبيعة الدولة اللبنانية ومؤسساتها.

ونرى أن مستقبل لبنان لا يمكن فصله عن نتيجة الحرب الإقليمية، لأن إعادة تشكيل المنطقة ستنعكس بالضرورة على لبنان ككيان ونظام سياسي.

*الحرب على لبنان ليست حرباً على موقع واحد*

نحذر من وهم أن الحرب يمكن أن تنتهي عند حدود علي الطاهر.

ففي قراءتنا، كل مكسب جغرافي إسرائيلي قد يتحول إلى منصة للمطالبة بمكسب آخر.

وهذا ما يجعلنا نرفض الاعتقاد بأن إسرائيل ستكتفي بما حققته.

وأن الحرب التي أعلن نتنياهو أهدافها منذ اليوم الثاني للطوفان هي حرب وجودية، وبالتالي فإن إسرائيل لن تتوقف طوعاً عند خط جغرافي معين إذا اعتقدت أن الظروف تسمح لها بالتقدم.

ولهذا فإن أي منطقة تسقط تحت السيطرة المباشرة أو تحت السيطرة النارية تصبح، في منطقه، مقدمة لإعادة رسم الحدود الفعلية للسيطرة المتقدمة.

*الحرب الإيرانية ـ الأميركية: لماذا لا نرى صفقة نهائية قريبة؟*

إن المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة ليست بالضرورة طريقاً إلى نهاية الحرب.

فالمفاوضات، في الحروب الكبرى، يمكن أن تكون أيضاً فترات لالتقاط الأنفاس، وإعادة التموضع، والتحصين، وإعادة تنظيم القدرات.

وبالتالي فإن مجرد وجود مفاوضات لا يعني أن الحرب انتهت.

ونصف الحرب الحالية بأنها حرب ذات طابع وجودي بالنسبة إلى أطرافها، ولذلك نرى أن النهاية الحقيقية لن تكون مجرد صفقة مؤقتة، بل ستتطلب تغيراً في موازين القوى.

ونضع احتمالين كبيرين:

إما أن تنجح الولايات المتحدة وإسرائيل في هزيمة إيران ومحورها، فتنتقل المنطقة إلى نموذج يشبه ما حدث في سوريا والعراق،

أو:

تفشل إسرائيل والولايات المتحدة، وتتراجع إسرائيل، وتنحسر الولايات المتحدة عن المنطقة، وتدخل إسرائيل نفسها في أزمة وجودية وإعادة هيكلة.

ومن هنا نستبعد أن تنتهي الحرب الكبرى بمجرد تسوية بسيطة بين المتحاربين.

*تركيا: من عبد الله غول إلى أردوغان… صراع داخل النظام*

انطلاقاً من سؤال حول التطورات المرتبطة بالرئيس السابق عبد الله غول.

نرى أن ما يجري يعكس، في قراءتنا، تشدداً متزايداً داخل النظام التركي.

ونطرح فرضية أن رجب طيب أردوغان بات يتعامل مع السلطة باعتبارها مشروعاً طويل الأمد، وصولاً إلى محاولة ضمان استمرار نفوذ عائلته وتياره السياسي.

ونستحضر تاريخ الدولة العثمانية وما ارتبط به من صراعات داخل الأسرة الحاكمة على السلطة، ليقارن ذلك بما يسميه بصورة نقدية «الأردوغانية السلجوقية».

ونعتبر أن السلطة عندما تدخل مرحلة الأزمة تبدأ غالباً بمواجهة أقرب حلفائها قبل خصومها البعيدين.

*لماذا قد يدخل أردوغان في مواجهة مع حلفائه السابقين؟*

إن عبد الله غول كان من الشخصيات المؤسسة في التجربة السياسية التي انتهت إلى صعود حزب العدالة والتنمية، وأن العلاقة بينه وبين أردوغان كانت في مرحلة سابقة وثيقة.

لكن انتقال السلطة إلى مرحلة أكثر فردية، يجعل حتى الشخصيات التاريخية القريبة من مركز القرار عرضة للتهميش أو الإقصاء.

ونربط ذلك بما نعتبره مؤشرات على:

– تشديد القبضة السياسية.

– التضييق على الخصوم.

– حملات إسكات وترهيب.

– إعادة تشكيل المشهد الحزبي.

– محاولة إضعاف المنافسين.

ونستند في توقعاتنا إلى ما نراه من مؤشرات سياسية واستطلاعات رأي وتبدلات في الخريطة الحزبية التركية.

*الاقتصاد التركي: الأزمة البنيوية تلاحق أردوغان*

لكن العامل الأكثر أهمية بالنسبة إلينا هو الاقتصاد.

فتركيا، في تقديرنا، تواجه تشققاً بنيوياً نتيجة تراكمات اقتصادية وسياسية، ونرى أن النموذج الذي قام على بيع القطاع العام والخصخصة والاحتكار وتركيز الثروة أدى إلى تحميل الدولة أعباء تتجاوز قدرتها على الاحتمال.

ومن هنا نتوقع أن تواجه تركيا خلال الأشهر المقبلة سلسلة من الأزمات المتزايدة.

ونرى أن هذه الأزمات لن تكون اقتصادية فقط، بل ستنعكس على بنية السلطة واستقرارها السياسي وعلاقاتها الداخلية والخارجية.

وبذلك تصبح تركيا أيضاً جزءاً من المشهد الإقليمي المضطرب، لا مجرد مراقب لما يحدث بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة.

*الخلاصة: الجولة الفاصلة لم تبدأ بعد… لكن عناصرها تتشكل*

ننتهي برؤية شاملة تربط بين لبنان وإيران واليمن وسوريا وتركيا وأوروبا في لوحة واحدة.

فالحرب، في تقديرنا لم تعد سلسلة من المعارك المنفصلة، وإنما حرب عالمية عظمى متعددة المستويات والمسارح.

قد تكون هناك جبهة ساخنة وأخرى هادئة، جبهة عسكرية وأخرى اقتصادية، وأخرى سياسية وإعلامية، لكن جميعها تعمل ضمن الصراع نفسه.

وفي هذه اللوحة يحتل لبنان موقعاً بالغ الحساسية.

فـعلي الطاهر، في قراءتنا، ليس نهاية المعركة، بل اختبار لاتجاهها. وإذا تحول سقوط موقع دفاعي إلى بوابة للتوسع نحو النبطية والزهراني ومناطق أخرى، فإن المسألة تصبح أكبر من موقع وأكبر من قرية وأكبر من خط تماس.

إنها معركة على الجغرافيا اللبنانية وعلى مستقبل الدولة اللبنانية وعلى موقع لبنان في المشروع الإقليمي الجديد.

أما إيران، فنرى أن أمامها لحظة حاسمة:
إما أن تستمر في إدارة الحرب من موقع الانتظار والرد، أو تنتقل إلى المبادرة مستخدمةً ما نراه من فائض في عناصر القوة والمسارح والقدرات.

وفي المقابل، تحاول إسرائيل استثمار الوقت، وتحقيق مكاسب متدرجة، وتجنب الاشتباك المباشر مع إيران، بينما يستخدم نتنياهو الإنجازات الميدانية والإعلامية لتعويض أزماته السياسية والعسكرية.

أما الولايات المتحدة، فتواصل الضغط الاقتصادي والعسكري، لكننا نرى أن زمن الهيمنة الأميركية يواجه أزمة بنيوية، وأن انتقال مركز الثقل نحو الشرق وأوراسيا أصبح اتجاهاً تاريخياً لا يمكن تجاهله.

ومن هنا تصبح المسألة كلها مرتبطة بسؤال واحد:

متى تنتقل الحرب من جولات الاستنزاف والشد والجذب إلى الجولة الفاصلة؟

الإجابة لا تتعلق فقط بما تفعله إسرائيل أو الولايات المتحدة، بل بما ستفعله إيران ومحور المقاومة، وباللحظة التي يقرر فيها الطرف الذي يملك القدرة على المبادرة أن يستخدمها.

وعندها، بحسب المنطق، لن يكون السؤال عن موقع سقط هنا أو غارة وقعت هناك، بل عن انقلاب في ميزان القوى يعيد رسم لبنان وسوريا وفلسطين والخليج،و يعيد رسم النظام الإقليمي والعالمي بأسره.

🖊 ميخائيل عوض