الأربعاء - 09 سبتمبر 2026
الأربعاء - 09 سبتمبر 2026

محمد شريف أبو ميسم ||

 

 

 

في منتصف تموز الماضي صوّتت أغلبية من النواب الديمقراطيين في الكونغرس الأمريكي لصالح تعديل مقترح “قطع المساعدات السنوية عن الكيان الصهيوني”، وفي حينها وصف هذا التصويت غير المسبوق بالزلزال السياسي، الذي عمق الشرخ في العلاقات بين الولايات المتحدة والكيان، وفي أواخر آب عقد معهد دراسات الأمن القومي في الكيان الصهيوني جلسات مؤتمره السنوي لصياغة خريطة التهديدات للسنوات المقبلة،

ويبدو أن التحول الذي صنعه التيار التقدمي داخل الحزب الديموقراطي، كان له الأثر الكبير في إعادة النظر بالاستراتيجية الصهيونية القائمة على عقيدة “الحرب الدائمة”، ومن المؤكد أن هذا التحول في موقف التيار المناهض للحرب داخل الحزب الديموقراطي، لم يكن لو لا تحرك التيارات التقدمية في عموم العالم، والضغط الذي مارسته المنظمات الدولية والمنظمات غير الحكومية، ومنها المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية والاتحادات والنقابات الدولية، ومنظمة العفو الدولية وسواها من المنظمات الانسانية والحقوقية،

بجانب الضغط الجماهيري المتواصل في عموم الولايات المتحدة، فضلا عن معارضة تيار “ماغا” داخل الحزب الجمهوري، الذي دعم الرئيس ترامب في حملته الانتخابية تحت شعار “أمريكا أولا”، حيث هاجمت رموز بارزة في هذا التيار قرار الحرب على ايران واعتبرته انصياعا لرغبة الكيان الصهيوني على حساب المصلحة الأمريكية وحياة الجنود .

وفي مطلع أيلول الحالي نشر رسميا تقرير المراجعة الإستراتيجية الصادر عن مؤتمر معهد دراسات الأمن القومي في الكيان الصهيوني “الذي يعد بمثابة العقل الاستراتيجي للكيان”، ليعلن تفنيده لعقيدة “الحرب الدائمة” محذرا من أن الحرب المستمرة سوف تؤدي إلى “تآكل الدعم الأمريكي، وتراجع العلاقات مع الديمقراطيين”، حيث استند خبراء المعهد بشكل مباشر إلى واقعة التصويت التي حدثت في الكونغرس، معتبرين الوصول الى رغبة قطع المساعدات، هو مؤشر خطر حقيقي ودليل قاطع على بداية العزلة الاستراتيجية للكيان.

هنا يتبادر الى الأذهان سؤال عن العنت الذي يمارسه “بنيامين نتنياهو” وتياره المتطرف عبر الاصرار على استراتيجية التوسع وعقيدة الحرب الدائمة، على الرغم من تحذيرات أهم مركز للخطط الاستراتيجية في الكيان، الذي حذر من تحول سياسة نتنياهو إلى تهديد وجودي ومباشر لأمن الكيان ومكانته الإقليمية والدولية، اذ اعتبر ان فكرة الدخول في حروب مستمرة وممتدة على جبهات غزة ولبنان، والتوسع في سوريا والصدام المباشر مع إيران لم تعد صالحة للاستمرار، وستكون سببا في تآكل مصادر القوة واستنزاف الموارد البشرية والاقتصادية والتهديد المباشر لأمن الكيان والعزلة الدولية وفقدان الشرعية.

وللإجابة هنا، لا بد من معرفة بنية الدولة العميقة التي تقف وراء مشروع نتنياهو في اقامة دولة اسرائيل الكبرى، حيث تتقدم عائلة روتشيلد اليهودية المتطرفة (التي كانت وراء “وعد بلفور” وهي حاليا تهيمن على نحو نصف ثروات كوكب الأرض)، العوائل الداعمة لهذا المشروع، ليس بدوافع دينية كما قد يعتقد البعض بشأن ما يقال عن الوعد التوراتي لليهود باقامة دولتهم من النيل الى الفرات، ولكن بدوافع اقتصادية وجيوسياسية تتخذ من الشعار الديني مطية لها لضمان الهيمنة على هذه المنطقة التي تمثل قلب العالم الجديد، وهذه العائلات وهي تدير الشركات التي تحكم العالم، لها هدف واحد (وهو ضمان السيادة والسيطرة المطلقة على هذه المنطقة)، من خلال الضغط السياسي في واشنطن، وتمويل الاستيطان والمشروع الابراهيمي،

ليس حبا ولا ولاء لشخص نتنياهو، وانما لأن هذا النتنياهو يمثل توجهات هذه العوائل التي تعمل تحت شعار “من الماء الى الماء تترامى أطراف الدولة الصهيونية الكبرى”، وبحسب عنت نتنياهو وما أشرنا اليه، يكون من مصلحة هؤلاء وضع حد لتطرفه، الذي بات يهدد المشروع برمته وربما يعيد به الى المربع الأول، وليس ببعيد أن يكون زوال نتنياهو، ونهاية التوتر في المنطقة، مقرونا بزوال الثأر الايراني .