قال تعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ﴿155﴾..!
السيد بلال وهبي ||

(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)
قال تعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ﴿155﴾ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴿156﴾ أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴿سورة البقرة: 157﴾.
لا يمكن أن تخلو الحياة من الخوف والجوع وفقدان المال أو الأحبة أو الثمرات، ولا يمكن أن تخلو الحياة من المصاعب والأزمات والابتلاءات، هذا ما تقرِّره الآية الأولى، فمن يطلب حياة خالية من جميع ذلك فلن يجدها إلا في حياة الآخرة، فالابتلاء ليس حادثًا استثنائيًا يطرأ على حياة الناس، وإنما هو جزء من طبيعة الحياة نفسها، وسنّة جارية تشمل البشر جميعًا، وإن اختلفت صورها ودرجاتها وآثارها.
كل إنسان معرّض لأن يخاف مِمّا قد يحمله إليه المستقبل، أو يفتقد شيئًا من ماله، أو يمرض في نفسه، أو يفقد عزيزًا، أو يرى ثمرة جهده تتراجع أو تضيع. والمؤمن ليس مستثنى من هذه السُنَّة الربانية، فالقرآن لا يعدنا بحياة بلا ألم، ولا بدنيا لا فقد فيها ولا نقصان، وإنما يعلّمنا كيف نقف في مواجهة جميع ذلك دون أن ننهزم أمامه.
وما يساعدنا على ذلك أمر لافت في الآية الكريمة حيث قالت: ﴿بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ﴾، وكأنها تذكّرنا بأن ما نواجهه، مهما اشتدَّ، يبقى جزءًا محدودًا من عالم واسع، وأن المصيبة لا ينبغي أن تستولي على وعينا كله، فتجعلنا نرى الحياة من خلالها وحدها. فالأزمة حقيقية، لكنها ليست الحقيقة الوحيدة، والخسارة مؤلمة، لكنها لا تقضي على وجودنا.
وبعد أن عرضت الآية الأولى صور الابتلاء، بشيء من الخوف، والجوع، ونقص من الأموال والأنفس والثمرات، ها هي تعلمنا المهارة التي ننجح بها في تلكم الابتلاءات، فتقول: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾، إنها تبشِّرنا إنْ صَبَرنا، وتكشف لنا أن الصبر لا يعني التحمّل القسري للألم، ولا سكوت العاجز أمام الواقع، بل هو موقف إيماني وعملي واعٍ، يحفظ لنا توازننا وقدرتنا على الاستمرار.
فالصابر –من منظور القرآن الكريم- هو الذي لا يسمح للمُصيبة أن تسلبه عقله، ولا للخوف أن يدفعه إلى التراجع عن الحق، ولا للفقدان أن يحوّله إلى ساخط على الله أو ناقم على الحياة. إنه يتألَّم، لكنه لا ينهار، ويحزن، لكنه لا يفقد البوصلة، ويعترف بثقل المحنة، لكنه لا يستسلم لها استسلامًا يلغي مسؤوليته.
ولهذا جاءت البشارة للصابرين في البأساء والضرّاء، لا للذين لم تصبهم المصائب. فالقيمة ليست في انعدام الأزمة، وإنما في الطريقة التي يستقبل بها الإنسان الأزمة ويتعامل معها. فقد يتعرَّض شخصان للمحنة نفسها، فيخرج أحدهما منها أكثر نضجًا وإيمانًا وصلابة، بينما يخرج الآخر أكثر اضطرابًا وانكسارًا. الفارق ليس دائمًا في حجم المصيبة، بل في الموقف النفسي والمعنوي منها.
أما الآية التالية فتصف موقف الصابرين تجاه المصائب فتقول: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾. ومما لا شك فيه أن (الاسترجاع) ليس تعزية لفظية تُقال عند الموت فحسب، ولا عبارة تُردَّد باللسان دون وعي. إنها إعلان عن حقيقتين عظيمتين تعيدان بناء نظرة الإنسان إلى نفسه وإلى ما حوله:
الأولى: ﴿إِنَّا لِلَّهِ﴾، أي إننا لا نملك أنفسنا، ولسنا مستقلين في وجودنا، بل نحن ملك لله الذي خلقنا. وجودنا، وأجسادنا، وأبناؤنا، وأموالنا، وقدراتنا، وكل ما نعدّه ملكًا خاصًا لنا، هو في الحقيقة أمانة وعطاء من الله. وما دام الشيء لله، فإن منحه ليس أمرًا مستَحَقًا على الله، وسلبه لا يعني وقوع الظلم منه.
وهذا لا يلغي الحزن الطبيعي، ولا يطلب من الإنسان أن يتعامل مع الفقد كما لو أنه لم يكن، لكنه يمنعه من تحويل الحزن إلى اعتراض على مالكية الله وحكمته. فالمؤمن لا يرى نفسه مالكًا مطلقًا ثم يشعر أن حياته انهارت حين يفقد شيئًا، بل يرى نفسه عبدًا لله، كانت النعمة في يده عارية، ثم عادت إلى صاحبها.
والثانية: ﴿وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾، وهي تذكير بأن هذه الحياة، بما فيها من ربح وخسارة، ومِنَحٍ ومِحَنٍ، ليست النهاية. إننا راجعون إلى الله، ولذلك لا يجوز أن تتحول خسارة عابرة في الدنيا إلى حكم نهائي على الحياة كلها. ما نفقده هنا ليس آخر ما نملك، وما نعجز عن فهمه اليوم ليس خارجًا عن علم الله ورحمته.
فالاسترجاع (الحقيقي) يحرِّر الإنسان من وهمين: وهم الملكية المطلقة، ووهم الخلود في الدنيا. ومن يتحرر من هذين الوهمين يصبح أكثر قدرة على الصبر، لا لأنه لا يشعر بالألم، بل لأنه لا يسمح للألم أن يقطع صلته بالله أو يبدد معنى وجوده.
ومن هنا فإن المؤمن لا يطلب دنيا بلا أزمات، -لأنها دار ابتلاء وامتحان- بل يطلب من الله العون على مواجهة ما فيها، والثبات عند نزوله، والبصيرة في التعامل معه. والمؤمن لا يقيس عناية الله به بمدى خلو حياته من المشكلات. فقد تكون العناية الإلهية في رفع البلاء، وقد تكون في تخفيفه، وقد تكون في منح الإنسان قدرة على احتماله، أو في استخراج طاقاته الكامنة، أو في منحه وعيًا جديدًا، أو في حمايته من السقوط الأخلاقي أثناء الأزمة.
ولهذا لا يكون الابتلاء دليلًا على غياب الرحمة، كما أن الرخاء ليس بالضرورة دليلًا على الرضا. فقد يكون البلاء بابًا إلى النضج والهداية، وقد يكون الرخاء سببًا للغفلة والغرور. المعيار القرآني ليس مقدار ما نملك أو ما نفقد، بل ما نصير إليه في علاقتنا بالله وفي سلوكنا تجاه أنفسنا والآخرين.
تختم الآية الأخيرة ببيان عاقبة هذا الموقف: ﴿أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾.
إنها نتيجة أعمق من مجرد التعويض عن الخسارة. فالله لا يذكر للصابرين مالًا بديلًا أو متاعًا يعوّضهم عمّا فقدوا فقط، بل يضمن لهم صلواته ورحمته وهدايته.
والصلوات من الله تعني العناية واللطف والرأفة والتكريم والثناء، والرحمة تعني إحاطة الإنسان بعناية إلهية ترفعه وتسدِّده، أما الهداية فهي الثمرة الأهم، لأن الإنسان قد يخرج من الأزمة وقد استعاد بعض ما فقد، لكنه لا يكون قد انتفع بها حقًا إلا إذا خرج منها أكثر قربًا من الله، وأوضح رؤية، وأقوم سلوكًا.
ومن هنا قالت الآية: ﴿وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾. فالصبر فضيلة لا تنفصل عن الهداية، بل هو طريق إليها. إن المحنة تكشف للإنسان حقيقة تعلقه بالأشياء، وحدود قدرته، وحاجته إلى الله، وتضعه أمام أسئلة لا يستطيع الرخاء أن يفرضها عليه بالقوة نفسها: من أنا؟ وعلى ماذا أعتمد؟ وما الذي يبقى حين تتلاشى أسباب الأمان الظاهرة؟
✍ السيد بلال وهبي
فجر يوم الإثنين الواقع في: 7/9/2026 الساعة (05:06)




