الأربعاء - 09 سبتمبر 2026
الأربعاء - 09 سبتمبر 2026

محمد عبد الجبار الشبوط ||

 

 

 

أتضامن مع الدكتور علي المدن إزاء مصادرة كتابه «تخوم الوعي الديني» من معرض بغداد الدولي للكتاب، وأدعو الجهة التي اتخذت قرار المصادرة إلى إعلان الأساس القانوني الذي استندت إليه، لأن ممارسة السلطة في الدولة الحديثة لا تكون مشروعة بمجرد صدور القرار، وإنما بخضوع القرار نفسه للدستور والقانون وحقوق الإنسان الأساسية.

ومن منظور الفلسفة الحضارية، فإن حرية الفكر والتأليف والقراءة ليست ترفًا ثقافيًا، وإنما هي شرط من شروط المراكمة الحضارية. فالإنسان والعلم والعمل عناصر أساسية في المركب الحضاري، ولا يمكن لمجتمع أن ينتج المعرفة ويصحح أفكاره ويرتقي بوعيه إذا كان الخوف من المصادرة يسبق الكتاب، والمنع يسبق النقاش.

أما الدولة الحضارية الحديثة التي ندعو إليها، فإنها لا تخشى الكتاب، ولا تجعل السلطة الإدارية حكمًا على الأفكار. وظيفتها أن تحمي المجال العام الذي تتنافس فيه الأفكار بحرية ومسؤولية وفي إطار الدستور والقانون.

الفكر الذي نختلف معه يُناقش بالفكر، والحجة تُواجه بالحجة، والكتاب يُرد عليه بكتاب. أما المصادرة فلا تنتج معرفة، ولا تصحح فكرة، وإنما تحرم المجتمع من فرصة الحوار والاختبار والنقد.

إن حق الدكتور علي المدن في التأليف، وحق القارئ العراقي في الاطلاع والاختيار، وحق المجتمع في تداول الأفكار، حلقات مترابطة في حق حضاري واحد هو حق الإنسان في المعرفة.

ومن هنا، فإن التضامن مع الدكتور علي المدن لا يعني بالضرورة الاتفاق مع كل ما ورد في كتابه؛ بل يعني الدفاع عن قاعدة أسبق من الاتفاق والاختلاف: أن يكون الكتاب متاحًا لكي يُقرأ، وأن تكون الفكرة حرة لكي تُناقش، وألا تتحول الدولة من حامية لحرية الفكر إلى رقيب على العقول.

العراق الذي نريده ليس عراق مصادرة الكتب، وإنما عراق إنتاجها وقراءتها ومناقشتها؛ عراقًا تكون فيه المعرفة قوة، والحرية قيمة، والحوار طريقًا، والإنسان غاية.