الأربعاء - 09 سبتمبر 2026

قال تعالى: وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَٰكِنْ لَا تَشْعُرُونَ ﴿سورة البقرة: 154﴾..!

منذ 4 أيام
الأربعاء - 09 سبتمبر 2026

   

 

السيد بلال وهبي ||

 

 

 

 

: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)

قال تعالى: وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَٰكِنْ لَا تَشْعُرُونَ ﴿سورة البقرة: 154﴾.

آيتان في القرآن تحدثتا عن حياة القتلى في سبيل الله (الشهداء) وهم الذين يقتلون على أيدي الأعداء في ساحة القتال أو في مهمة قتالية، ولو كانوا بعيدين عن ساحة المعركة، كما يذهب إلى ذلك بعض الفقهاء المعاصرين، على أن يكون قتالهم للأعداء تحت راية المعصوم أو نائبه.

الآية التي بين أيدينا أثبتت أن القتل لا يفنيهم، بل هم أحياء، ولكننا لا نشعر بهم، وهذا المعنى سنتبين وجهه بعد قليل إن شاء الله. والآيات الثلاث الأخرى التي تضمّنتها سورة آل عمران كشفت لنا عن طبيعة حياتهم في عالمهم.

حيث قالت: وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴿169﴾ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿170﴾ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿سورة آل عمران: 171﴾.

وسنعرض لهذه العطايا الإلهية الجليلة التي يُعطَونها في مقالة قادمة إن شاء الله.

السؤال المطروح: لماذا ينهانا الله عن القول بموت القتيل في سبيل الله؟ مع أن الموت انتقال من نشأة إلى نشأة أخرى، إنه قنطرة تعبر به من عالم إلى عالم كما وصفه الإمام الحسين (ع) لأصحابه حين قال: “صَبْراً بَنِي الْكِرَامِ، فَمَا الْمَوْتُ إِلَّا قَنْطَرَةٌ يَعْبُرُ بِكُمْ عَنِ الْبُؤْسِ وَالضَّرَّاءِ إِلَى الْجِنَانِ الْوَاسِعَةِ وَالنَّعِيمِ الدَّائِمِ، فَأَيُّكُمْ يَكْرَهُ أَنْ يَنْتَقِلَ مِنْ سِجْنٍ إِلَى قَصْرٍ”.

فما طبيعة هذا الموت، وما معنى كونهم أحياء؟ فنحن نرى الجسد يسقط، والحركة تتوقف، والنَّفَس ينقطع، ويغيب الإنسان عن عالمنا الذي نعرفه.فلماذا يقول القرآن: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ﴾؟

إن الآية الكريمة لا تنفي حقيقة الموت الجسدي، وإنما تنهانا عن أن نعتقد أن موت أجسادهم يعني نهاية حياتهم، وهذه مفارقة قرآنية عميقة، فنحن نرى الموت، والقرآن يكشف لنا عن حياة لا نراها. وندرك غياب الجسد، والقرآن يخبرنا عن استمرار الوجود، ويفتح أمامنا بابًا إلى حياة تقع خارج نطاق الحسّ.

إن الشهداء أحياء، ولكننا لا نشعر بحياتهم، والحياة حركة، وفاعلية، وتأثير، إن لهم هذا النوع من الحياة ولكننا لا نلمس ذلك، لا نراه، لا نشعر به، وعدم الشعور به لا يعني عدم الوجود، فما أكثر الأشياء التي لا نشعر بها، لا نراها ولا تقع في مجال حواسنا ولكنها موجودة ومؤثرة.

لقد قيل في تفسير المراد من كونهم أحياء: أن ذكرهم الجميل يبقى حيّا. ولكن لو كان المراد بحياة الشهيد بقاءَ ذكره الجميل الذي لا يُنسى، لكان الناس يشعرون بها، لأننا ندرك ذكر الشهيد وآثاره، ونقرأ سيرته، ونستحضر تضحيته، ونرى آثار مشروعه، وقد تتحول شهادته إلى قوة تدفع أجيالًا كاملة إلى مواصلة الطريق.

وقيل: إن المراد من كونهم أحياء، أن قضيتهم تبقى حيَّة. ولكن لو كانت حياتهم تعني بقاء القضية التي قتِلوا من أجلها، لكان ذلك معنى عظيمًا بلا شك، لكنه لا يستوعب قوله تعالى: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ﴾، لأن القضية قد تبقى حيّة، سواء أكان صاحبها حيًّا أم ميتًا، وسواء أكان شهيدًا أم غير شهيد.

أما القرآن فيضيف شيئًا لا تدركه حواسنا. هناك حياة حقيقية للشهيد في عالم لا نملك أدوات الإحساس به، وهذا هو المعنى الذي ينسجم مع الإيمان بالغيب. فالإنسان ليس جسدًا فقط، والموت ليس فناءً مطلقًا للوجود الإنساني، وإنما انتقال من نشأة إلى نشأة، كما سبق أن ذكرنا.

لكن هل هذه الحياة هي الحياة البرزخية؟ أم أنها حياة خاصة بالشهداء؟

هنا ينبغي أن نكون دقيقين. إن أصل الحياة البرزخية لا يعني بالضرورة أن الشهداء وحدهم يعيشون بعد الموت، فالموت في التصور الإسلامي ليس فناءً للإنسان، والناس ينتقلون إلى عالم البرزخ.

إذن أين خصوصية الشهيد؟. خصوصيته ليست في مجرد الحياة بعد الموت، وإنما في نوع الحياة التي يُكرمه الله بها ومرتبتها وآثارها، فالقرآن لا يقتصر في الحديث عن الشهيد على نفي الفناء عنه، وإنما يقرّر له حياةً خاصة في سياق التكريم الإلهي، إنها حياة لا نعرف حقيقتها كاملة، ولا نملك أن نقيسها بمقاييس حياتنا المادية.

إنها حياة تقع وراء الحجاب بين عالم الحس وعالم الغيب. فالقتيل في سبيل الله لا يخسر حياته، بل ينقلها إلى مستوى آخر، يقدِّم نفسه لله، فيجزيه الله بحياة لا تستطيع حواسنا أن تصل إليها. وهي حياة ذات تأثير فينا نحن الأحياء، وما نسمعه من قصصهم التي يطمئن القلب إلى صدق بعضها، يشهد لما تقوله الآية الكريمة.

فلا تحصر –قارئي الكريم- الحياة فيما تراه حواسك، فالشهادة انتقال إلى حياة حقيقية عند الله، وآثار الشهيد في الأرض أمانةٌ في أعناق الأحياء.

✍ السيد بلال وهبي
فجر يوم الأحد الواقع في: 6/9/2026 الساعة (05:04)