الأربعاء - 07 اكتوبر 2026

اليمن القوي الموحد: فرصة التاريخ التي لا ينبغي أن تضيع.. بوصلة المواقف..!

منذ شهر واحد
الأربعاء - 07 اكتوبر 2026

 جليل هاشم البكاء ||

 

 جليل هاشم البكاء

 

 

هناك لحظات في تاريخ الشعوب لا تتكرر كثيرًا، ولحظات أخرى يصنعها الشعب بعد عقود من الألم والدماء والحصار والتدخلات الخارجية. واليمن اليوم يقف أمام واحدة من تلك اللحظات؛ لحظة يمكن أن تتحول فيها سنوات الصراع والانقسام إلى بداية جديدة، إذا أدرك اليمنيون أن أقصر الطرق إلى القوة ليست في المزيد من التقسيم، وإنما في استعادة الوحدة والقرار والسيادة.

لقد أنهكت اليمن سنوات طويلة من الحرب، وتحوّل البلد خلالها إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية، ووجدت مشاريع التفتيت والانقسام من يدعمها بالسلاح والمال والإعلام، بينما كان اليمنيون يدفعون وحدهم ثمن هذه المعركة.

لكن شيئًا جوهريًا تغير.

المعادلة التي كانت تسمح للقوى الخارجية بفرض إرادتها على اليمن لم تعد كما كانت. فالدعم العسكري الخارجي، مهما بلغ حجمه، لم يعد قادرًا وحده على صناعة النتيجة التي يريدها أصحابه. وتطور قدرات الردع لدى أنصار الله جعل أي محاولة للعودة إلى الحرب الشاملة أكثر تعقيدًا وكلفة، وفرض على الأطراف الإقليمية حسابات جديدة لم تكن موجودة في بداية الصراع.

لقد أصبح اليمن قادرًا على الرد، وهذه بحد ذاتها معادلة استراتيجية جديدة.

ولهذا لم يعد السؤال: هل تستطيع القوى الخارجية التدخل في اليمن؟

السؤال الحقيقي أصبح: ماذا ستدفع هذه القوى إذا قررت العودة إلى التدخل؟

وهنا تكمن أهمية التحول.

فحين يصبح التدخل مكلفًا، تتراجع شهية الخارج، وحين يتراجع الخارج تبدأ القوى اليمنية نفسها في اكتشاف أن استمرار الانقسام ليس قدرًا أبديًا، وأن ما يجمع اليمنيين أكبر بكثير مما يفرقهم.

والأهم من كل ذلك أن التجربة نفسها بدأت تتحدث.

لقد عرف اليمنيون خلال السنوات الماضية الفرق بين القرار الوطني والقرار المفروض، وبين الاستقلال والوصاية، وبين أن تكون أرضهم ملكًا لهم وأن تتحول أرضهم إلى ساحة نفوذ للقوى الأجنبية.

وعندما يقارن الإنسان بين اليمن الذي يحاول امتلاك قراره، واليمن الذي يُراد له أن يكون تابعًا، تصبح الصورة أكثر وضوحًا.

اليمن المستقل، مهما كانت أزماته، يستطيع أن يقول لا.

أما اليمن الذي يُدار من الخارج، فعليه أولًا أن يسأل الخارج ماذا يريد.

وهذه هي المسافة بين السيادة والارتهان.

لقد أثبتت التجربة أيضًا أن الاحتلال أو التبعية لا يصنعان قوة حقيقية، حتى عندما يكون خلفهما دعم دولي واسع. فقد يتحول الطرف المدعوم خارجيًا إلى رقم في حسابات الآخرين، بينما يتحول الطرف الذي يمتلك قراره إلى رقم صعب في الحسابات الإقليمية والدولية.

وهنا يجب أن يدرك اليمنيون أن القوة التي صنعتها سنوات المواجهة ليست ملكًا لطرف واحد، وإنما يمكن أن تتحول إلى رصيد وطني إذا جرى توظيفها في مشروع سياسي جامع.

إن اليمن لا يحتاج إلى حرب جديدة بين أبنائه، بل يحتاج إلى شجاعة سياسية تضع نهاية لمشاريع الحرب والانقسام.

ولا يحتاج اليمن إلى انتصار منطقة على منطقة، أو حزب على حزب، أو جماعة على جماعة.

إنما يحتاج إلى انتصار اليمن نفسه.

اليمن الموحد ليس مجرد فكرة تاريخية، بل ضرورة استراتيجية.

فبلد يمتلك هذا الموقع الجغرافي، ويطل على البحر الأحمر وخليج عدن، ويتحكم بالقرب من واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، لا يمكن أن يكون قويًا وهو مجزأ إلى مناطق نفوذ متنافسة، ولا يمكن أن يحمي ثرواته وموانئه وحدوده إذا أصبح كل جزء منه تابعًا لقوة خارجية مختلفة.

الوحدة هنا ليست شعارًا عاطفيًا، بل مشروع قوة.

لكن هذه الوحدة لا يمكن أن تكون مجرد عودة إلى الماضي، بل يجب أن تكون وحدة جديدة تقوم على العدالة والشراكة والمواطنة واحترام حقوق جميع اليمنيين.

فلا معنى لوحدة تُنتج الظلم، ولا معنى للاستقلال إذا لم يشعر المواطن بكرامته، ولا معنى للسيادة إذا بقي القرار السياسي رهينة الخارج.

المطلوب يمن موحد يتسع للجميع.

يمن لا تُلغى فيه خصوصية الجنوب، ولا تُهمش فيه مناطق الشمال، ولا تُستبعد فيه تعز أو حضرموت أو مأرب أو الحديدة أو أي محافظة أخرى.

اليمن الذي يحتاجه المستقبل هو يمن يتسع لكل أبنائه، لكنه في الوقت نفسه يرفض أن تتحول خصوصياته الداخلية إلى بوابات للتدخل الأجنبي.

وهنا تظهر مسؤولية اليمنيين قبل غيرهم.

فإذا كانت القوى الخارجية قد وجدت خلال العقود الماضية أبوابًا تدخل منها إلى اليمن، فإن إغلاق هذه الأبواب لا يتم بالسلاح وحده، وإنما بالمصالحة الوطنية، وبناء الدولة، وتوزيع السلطة والثروة بعدالة، وإعادة تعريف الخلاف السياسي باعتباره خلافًا داخل البيت اليمني لا دعوة لاستدعاء الخارج.

إن الانتصارات التي تحققت في مواجهة مشاريع الحرب الخارجية لم تكن لتصبح ممكنة لولا وجود بيئة شعبية واسعة ترى أن الدفاع عن اليمن وقراره قضية وطنية. وهذه الحاضنة الشعبية هي التي تمنح أي قوة سياسية أو عسكرية قدرة أكبر على الصمود والاستمرار.

لكن الحاضنة الشعبية لا ينبغي أن تكون وقودًا لحرب داخلية جديدة.

بل ينبغي أن تتحول إلى قوة لبناء الدولة.

فبعد كل هذه السنوات، آن لليمنيين أن ينتقلوا من سؤال من ينتصر على من، إلى سؤال كيف ينتصر اليمن.

كيف يتحول السلاح الذي كان يستخدم في مواجهة العدوان إلى قوة تحمي الدولة؟

كيف تتحول التضحيات إلى بناء؟

كيف تتحول السيادة من شعار إلى مؤسسات؟

وكيف يصبح اليمن رقمًا صعبًا بسبب وحدته وقوة دولته، لا بسبب استمرار الحرب؟

هذه هي المعركة الحقيقية.

إن اللحظة الراهنة قد تكون فرصة تاريخية؛ فحين تتراجع قدرة الخارج على فرض الحلول، يصبح القرار في أيدي اليمنيين أكثر من أي وقت مضى.

إما أن يستثمروا هذه اللحظة في بناء تسوية وطنية حقيقية تعيد جمع اليمنيين، أو يسمحوا للانقسام بأن يعيد إنتاج نفسه بأسماء وشعارات جديدة.

والتاريخ لا ينتظر كثيرًا.

لقد دفع اليمنيون ثمنًا غاليًا حتى يصلوا إلى هذه النقطة، ومن غير المقبول أن تضيع كل هذه التضحيات في صراع جديد يخدم من ينتظر اليمن ضعيفًا وممزقًا.

اليمن القوي لا يخيف أبناءه.

اليمن القوي يخيف من يريد السيطرة عليه.

اليمن الموحد لا يهدد جيرانه.

اليمن الموحد يمنع الآخرين من تحويل أرضه إلى ساحة نفوذ.

واليمن المستقل لا يبحث عن عداوة مع أحد، لكنه لا يقبل أن يكون تابعًا لأحد.

وهذه هي المعادلة التي ينبغي أن تُبنى عليها المرحلة المقبلة:

يمن واحد، قرار واحد، سيادة واحدة، ومستقبل يصنعه اليمنيون بأنفسهم.

فبعد عقود من الصراع، ربما تكون أعظم فرصة أمام اليمن ليست أن ينتصر طرف على طرف، وإنما أن ينتصر اليمن على الانقسام.

وحين يحدث ذلك، لن يكون اليمن مجرد بلد خرج من الحرب.

سيكون بلدًا خرج من الحرب أكثر قوة، وأكثر وعيًا، وأكثر قدرة على حماية استقلاله.

عندها فقط يمكن أن يقال إن دماء اليمنيين وتضحياتهم لم تذهب سدى.

وأن اليمن الذي أرادوا تقسيمه أصبح موحدًا.

واليمن الذي أرادوا إخضاعه أصبح حرًا.

واليمن الذي أرادوا تحويله إلى تابع أصبح رقمًا صعبًا.

ذلك هو اليمن الذي يستحقه أبناؤه: اليمن القوي الموحد.