قال تعالى:…لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ…﴿سورة البقرة: 150﴾..!
✍ السيد بلال وهبي ||

(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)
قال تعالى: …لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ…﴿سورة البقرة: 150﴾.
لا ينبغي لنا أن نمنح الآخرين حُجّةً باطلةً أو ذريعةً ناتجةً عن تقصيرنا، ولا أن نجعل أخطاءنا مدخلًا إلى التبعية لهم. والواجب علينا أن نكون أمة مستقلة في قرارها ومرجعيتها، غير تابعة ولا خاضعة لأحد سوى الله تعالى. هذا ما يفيده هذا الجزء من الآية الكريمة الواردة في سياق الحديث عن تغيير القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة، وكان من آثار تغيير القبلة إبطال الحجج والإشكالات التي كان يثيرها اليهود والمشركون في وجه المسلمين، حيث كان اليهود يقولون: لو كنا على باطل لما توجهتم بصلاتكم، أيها المسلمون، إلى قبلتنا، وكانوا يقولون: إن محمدًا يصلّي إلى قبلتين، مع أن من علاماته الواردة في كتبنا أنه يصلّي إلى قبلة واحدة. وكان مشركو مكة يقولون: كيف ترك محمد الكعبة وهو يدعي أنه بُعِث لإحياء مِلَّة إبراهيم.
ولنذكر الآية الكريمة أولًا ثم نمضي في استنباط الفكرة الأساسية التي تتبناها هذه المقالة، قال تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾. هذا هو السياق الذي جاء فيه قوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾.
لكن وراء هذا السياق التاريخي معنى تربوي وفكري بالغ الأهمية: لا ينبغي للمسلمين أن يتيحوا للآخرين أن تكون لهم عليهم حُجّةٌ أو سُلطانٌ. فالقرآن لا يريد أمة تتحرّك بلا شخصية، بل يجب أن تكون لها مرجعيتها الخاصة، ومنهاجها الخاص.
فالقبلة هنا تصبح رمزًا للثبات على تلك المرجعية كما أسلفنا في مقالة سابقة. وقلنا: لقد كان يمكن للمسلمين أن يتعاملوا مع المسألة بمنطق إرضاء الآخرين: ماذا يريد اليهود، وماذا يريد المشركون؟ وكيف يتجنَّبون اعتراض هذا الطرف أو ذاك؟
لكن منطق القرآن كان: لا ينبغي أن نُرضي الناس على حساب ديننا، بل ينبغي أن نستقيم على أمر الله وحسب. ولهذا جاء الأمر بالتوجه إلى الكعبة (القبلة) مقرونًا بعبارة ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾. فالأمة التي لا تملك اتجاهًا واضحًا ولا مرجعية مستقلة، تصبح قابلة للضغط من كل جهة. وإذا أخذت من الآخرين دينها، وأخذت منهم أخلاقها، وأخذت منهم تعريفها للأمور وتصوراتها وحضارتها، فما الذي يبقى لها من شخصيتها؟ لا يبقى لها شيء، تتحول إلى أمة تابعة، أمة خاضعة، وتتحول من أمة صاحبة رسالة إلى مجرد تجمع بشري فاقد للاتجاه والقرار.
ومما لا شك فيه أن القرآن لا يمنع المسلم من أن يتعلم من الآخرين، ولا يمنعه من الاستفادة من تجارب الأمم، ولا يطلب منه أن يعيش معزولًا عن العالم. إنما يمنعه من أن يصبح تابعًا. فالفرق كبير بين أن نتعلم من الآخرين، وبين أن نجعل الآخرين المعيار للصحيح والخطأ، والحق والباطل. الفرق كبير بين أن نأخذ منهم علمًا نافعًا، وبين أن نأخذ منهم منظومة قيم كاملة لمجرد أنهم تمكّنوا من الترويج لها وفرضها ثقافيًا وإعلاميًا. والفرق أكبر بين أن نستفيد من تجربة حضارية، وبين أن نقتنع بأننا لا نستحق أن نكون متحضرين إلا إذا أصبحنا نسخةً طبق الأصل من الآخرين.
وهنا تظهر خطورة تقليد الآخرين حين يتجاوز حدود الاستفادة منهم إلى الانصياع لهم، فكل اتباع أعمى يجعل للمتبوع سلطانًا على التابع. وكل تنازل غير واعٍ عن الخصوصية يمنح الآخر قدرةً على إعادة تشكيله وفق رؤيته. وكل مرة تقول فيها لأبنائنا إن ما عند الآخرين هو “التقدم”، وما عندنا هو “التخلف” لمجرد أننا مختلفون، فإننا لا ننقل إليهم معرفةً جديدة، بل نزرع فيهم عقدة نقص خطيرة. وحين يشعر الإنسان بالنقص أمام الآخر، فإنه لا يعود قادرًا على الحوار معه من موقع الندية، بل يبدأ بتقليده. ثم يبرر تقليده ويدافع عنه، ثم قد يصل إلى أخطر من ذلك، أن يخجل من هويته الدينية والثقافية.
ومن هنا نفهم، والله أعلم، لماذا كان تحويل القبلة قضية تتجاوز الأمور العبادية، لتقول للمسلمين: أنتم أمة، بل أمة شاهدة على الناس، كما قال تعالى: (…لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ…) ﴿سورة البقرة: 143﴾ ولذلك لا يليق بكم أن تكونوا أمةً تابعةً في مرجعيتها واتجاهها. فأنتم أمة لكم مرجعية عقائدية مختلفة، ولكم منظومة قيم، ولكم تصور عن الكون والإنسان والحياة.
فلا تمنحوا الآخرين سلطانًا على مرجعيتكم وقراركم، ولا تجعلوا رضاهم معيارًا للحق والباطل، ولا تعطوهم حجة بسبب موقف ضعيف، أو خطأ في تقدير، أو اضطراب في سلوك، ولا تستسهلوا التبعية لهم وأنتم قادرون على تقديم نموذجكم الحضاري الخاص.
✍ السيد بلال وهبي
فجر يوم السبت الواقع في: 5/9/2026 الساعة (05:05)




