لا يُلدغ المرء من جُحرٍ مرتين..!
كوثر العزاوي ||

ليست مجرد عبارة تُقال عند الغضب أو الخيبة، بل حكمة تتدفق من نهر التجربة، وتحمل في ثنايا حروفها درسًا عميقًا في التعلّم من الأخطاء، والاتعاظ بما يمرّ بنا من مواقف في كل ميادين الحياة، العملية منها والشخصية.
ولعلّ أصل الفكرة.. هو أنّ المؤمن إنسان عاقل ويجب أن يكون يقظًا، فإذا تعرّض مرةً للأذى بسبب موقفٍ ما، أو شخصٍ معين، أو ردّة فعلٍ تركت في نفسه خيبة، فلا ينبغي أن يسمح بتكرار الضرر لنفسه، بغض النظر عن طبيعة الأذى نفسيًا كان أو جسديا.
فعندما نستشعر هذه الحكمة في مواطن معينة، فإننا نعلن ولادة يقظةٍ جديدة في أرواحنا، يقظةٌ تعلّمنا أن نثق، لكن بوعي، وأن نحب، لكن بحذر، وأن نمنح، لكن بميزان.
بمعنى انّ للحكمة ثمرة، ومذاقها ليس بحفظها وترديدها، إنما نجعل من التجربة التي مررنا بها وعيًا يرافقنا في معترك الحياة.
فبعد أي تجربة سلبية، لا بدّ من الرجوع إلى النفس بقصد محاسبتها ومراجعة ما حدث، والبحث عن الخلل ومواطن الضعف، وكيف حصل؟ وما العلامات التي غفلنا عنها قبل وقوع المشكلة؟.
إنّ هذا التأمل لا يغيّر ما حدث، لكنه يمنحنا خبرة تمنع تكراره، ويجعل من التجربة القاسية درسًا لا يذهب سدى مع الأيام.
ومن هنا، تأتي أهمية أن تكون لنا حدود واضحة في حركتنا وتعاملنا في الحياة مع الآخرين، إذ لا نستعجل في اتخاذ القرارات، سيما وأنّ التجربة السابقة قد تركت في نفوسنا أثرًا.
فالإنسان قد يتألم حين يثق في غير موضع الثقة، لكنه لا ينبغي أن يتحول بسبب ذلك الألم إلى إنسانٍ لا يثق بأحد، ولا ينبغي كذلك أن يندفع في الثقة كما لو أنّ التجارب لم تعلّمه شيئًا.
الثقة لا تتعارض مع الحذر، كما أن الحذر لا يعني سوء الظن، وبينهما مساحة يحتاج الإنسان أن يُحسن الوقوف فيها، فلا يندفع كثيرًا، ولا ينكفئ على نفسه، بل يترك مسافةً من الوعي واليقظة في حُسن تعامله مع الآخرين.
ومن تمام الاستفادة من التجربة، أن يطوّر الإنسان نفسه، وأن لاينسى التوكل على الله تعالى، وأن يمنح نفسه فرصةً للتفكير الهادئ قبل أي خطوة جديدة، في أي مشروع تحت أي عنوان من عناوين التعامل في المجتمع، ولا بأس بمشورة ذوي الحكمة.
وفي هذا السياق، أرشدنا أئمتنا “عليهم السلام” ومن خلال درر حِكَمهم، الى ضرورة التثبّت في الأمور وعدم التسرع، فهو الطريق السليم الذي يجب أن يسلكه الانسان في الدنيا، وأن لا يكون إمّعة يسير وراء الآخرين وينفتح معهم دون أن يحسب لا نفتاحهِ حسابًا.
قال الإمام الصادق :عليه السلام”:
{ لا تثِقنّ بأخيك كل الثقة، فإنّ صَرعة الاسترسال لا تُستقال}.
وفي ضوء ماوردَ عن المعصوم، ندرك حقيقةً ترقى بنا، عندما نفهم أنّ قساوة بعض التجارب ليست سقوطًا، بل اتساعٌ في أفق البصيرة، وزيادة في رقعة النور، كما تُعرِّف الموجوع مواطن ضعفه، وموارد الخلل في المقابل، فتهون عليه الصدمة.
وهذا هو لطف الله الذي يجري مع حركة الإنسان رغم غفلته وجحوده، فقد لا نفقهُ الحكمة في لحظتها، وقد نتساءل: لِمَ حدث هذا؟ ولماذا كنتُ أنا؟.
وما نلبث حتى نكتشف أن بعض ما أوجعنا كان يحمل في طياته إرشادًا أو تحذيرًا لم نكن ندركه، وأنّ بعض الأبواب التي أغلقت في وجوهنا ربما كانت في الحقيقة تحمينا من طريقٍ أشدّ خطرا، لنفهم بمرور الأيام، أنّ في كل جرحٍ يُصيبنا رسالةً خفيّة تقول: انتبهوا…فالطريق وعرة، وفي كل إخفاقٍ نتعرّض له، يدٌ غيبية تمتد بعطفٍ لتنهض بنا، وتدفعنا برفق إلى طريق أكثر نورًا ورحمة.
لذا..يستطيع العاقل تحويل انكساراته وفشله إلى مرفأٍ يستريح عنده بعد كل خيبة، ليمضي في الحياة أقوى وأكثر دقّة، فالتجربة مهما كانت قاسية، لا ينبغي أن تبقى مجرد وجعٍ يسكن الذاكرة، بل ينبغي أن تتحول إلى شيءٍ يضيف إلى بصيرته وعيًا، يعلّمه فنّ تحويل الألم إلى خبرة. فالموقف السلبي، والتجربة القاسية، ليسا نهاية الطريق، وليس عيبًا أن يُلدغ المرء مرةً أولى، فليس المطلوب أن نعيش بلا جراح، وإنما أن لا يذهب ثمن جراحنا سدى دون أن نتعلّم الدرس.
فالتجربة هي المعلّم، والعيب أن يعود إلى ذات الجحر، فتأتي اللدغة الثانية، وقد تكون أكثر وجعًا، وكأنه لم يتعلّم شيئًا.
وهكذا تمضي الحياة بمنعطفاتها، ويمضي الانسان معها، متعثّرًا تارة ومبصرًا تارة أخرى، وتتحوّل التجارب إلى خبرة، ثمّ نمضي في الحياة مع الله “عزّ وجل” أبعدُ نظرًا، وأقوى بصيرة، وأصدق إحساسًا.
٢٢-ربيع أول-١٤٤٨هـ
٤-أيلول-٢٠٢٦م




