وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ ﴿سورة البقرة: 145﴾
السيد بلال وهبي ||

(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)
قال تعالى: وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ ﴿سورة البقرة: 145﴾
تأتي هذه الآية الكريمة في سياق الآيات التي تحدثت عن تحوِّل قبلة المسلمين الذي وقع بعد قدوم رسول الله (ص) إلى يثرب بقليل، حيث كان مأمورًا أن يتجه بصلاته إلى بيت المقدس ثم أُمِرَ بأن يتجه إلى الكعبة المشرَّفة.
ظاهر الآية يتحدث عن القبلة، ولكنها في عمقها تتحدث عن المرجعية التي يرجع إليها المسلم والمرجعيات التي يرجع إليها الآخرون. فالقبلة في معناها الشرعي جهةٌ يتوجه إليها المصلي بجسده، لكنها تحمل أيضًا دلالة رمزية عميقة على الجهة التي يتوجه إليها في فكره ووعيه وضميره وحياته. قال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ…﴾ ﴿سورة البقرة: 148﴾
إن الرسالات السماوية أصلها واحد بلا ريب، فمصدرها واحد، هي نازلة من عند الله الواحد الأحد، وما من رسولٍ إلا وقد دعا إلى توحيد الله وعبادته، والإيمان بالمعاد والحساب والثواب والعقاب في الآخرة، لكنها -أي الرسالات- ليست نسخة واحدة في تفاصيل تشريعاتها ومقتضياتها. فقد جعل الله لكل أمة شرعة ومنهاجًا، تبعًا لحاجات كل أمة وظروفها والمرحلة التي تمرُّ بها، حتى جاء رسول الله (ص) بالرسالة الخاتمة، الجامعة لما سبقها، والمهيمنة عليه، وشريعتها هي الشريعة الخاتمة. ولهذا لم يكن انتقال القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة تفصيلًا شكليًا، بل كان إعلانًا عن استقلال شخصية الرسالة الإسلامية ومرجعيتها واتجاهها.
فالإسلام لا يأتي ليكون تابعًا في هويته لليهودية أو للمسيحية، كما أنه لا يأتي ليهدم ما سبقه أو ينكر الأنبياء والرسل. بل يؤمن بسائر الأنبياء، ويؤمن بأن مصدر الرسالات واحد، لكنه يقول في الوقت نفسه: إن للرسالة الخاتمة شريعتها وهويتها ومنهاجها الذي لا تستمد شرعيته من رضا الآخرين عنها.
وفي هذا السياق يأتي قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾.فلا مجاملة في الثوابت، ولا مداهنة في الحق، ولا تنازل عن الهوية، ولا حوار يؤدي إلى الذوبان، ولا تعايش يفضي إلى تبعية، واستقلال المرجعية لا يعني رفض الآخرين أو قطع الحوار معهم، وإنما يعني أن يكون الحوار قائمًا على الثقة بالذات، لا على التنازل عن الأصول والثوابت. وهذه قاعدة بالغة الأهمية في بناء الشخصية المؤمنة: الانفتاح لا يعني الذوبان، والتسامح لا يعني التبعية، والتعايش لا يعني إلغاء الخصوصية.
واللافت أن القرآن لا يكتفي بالقول إن أهل الكتاب لن يتبعوا قبلة المسلمين، بل يقول أيضًا: ﴿وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾. أي إن القضية ليست أن هناك نموذجًا واحدًا يمكن للمسلمين أن يذوبوا فيه لكي تنتهي المشكلة. إن اختلاف المرجعيات والشرائع واقع قائم، فحتى أهل الكتاب أنفسهم ليسوا كتلة واحدة ذات قبلة واحدة ومنهج واحد، فلماذا يُطلب من المسلم وحده أن يتخلّى عن خصوصيته حتى يصبح مقبولًا؟
هنا تنتقل الآية الكريمة من الحديث عن القبلة إلى كشف منطق الهوى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾. إنها جملة شديدة الحسم: العلم في جهة، والهوى في جهة أخرى، والمرجعية ليست أمرًا خاضعًا للهوى، الدين لا يؤخَذ بالأهواء، هنا تقول الآية: إذا جاءك العلم، فلا تستبدل به بالهوى. بل اتبع العلم، وليكن هواك خاضعًا له، وهذه المسألة لا تخص النبي (ص) وحده، فإذا كان النبي، وهو المؤيَّد بالوحي، يُخاطَب بهذا الحزم، فكيف بغيره من البشر عندما يتعرّض لضغط الجماعة أو الإعلام أو الثقافة السائدة؟
إن أخطر أنواع التبعية ليست أن يأخذ الإنسان من الآخر شيئًا في التكنولوجيا أو المعرفة أو الخبرة، بل أن يبدأ باستيراد معايير الحق والباطل، والصواب والخطأ، والحلال والحرام، والفضيلة والرذيلة من خارج مرجعيته العقدية والشرعية والقيمية، دون أن يسأل: هل ينسجم ذلك مع ما أؤمن به؟
وهنا يصبح الحديث عن القبلة حديثًا عن اتجاه الإنسان في الحياة. فالقبلة تقول للمسلم: أنت لا تتحرك بلا اتجاه. ولست بلا مرجعية. ولست مضطرًا إلى أن تبحث عن هويتك في مرآة الآخر. ولا ينبغي أن تسعى إلى أن تصبح مقبولًا عند غيرك بثمن التخلي عن عقيدتك.
وهذه القضية شديدة الحضور في عالمنا المعاصر، فقد يُقال للإنسان: كن منفتحًا. والانفتاح قيمة إذا كان يعني القدرة على الحوار والمعرفة والتفاعل. لكن الانفتاح قد يتحوّل أحيانًا إلى مطالبة الإنسان بأن يتخلى عن ثوابته حتى يُعَدَّ منفتحًا في نظر الآخرين.
والمؤمن ليس مطالبًا بأن يذوب في الآخرين حتى يثبت أنه متسامح، بل أن يكون قادرًا على التعايش من موقع الثقة، لا من موقع عقدة النقص.
✍ السيد بلال وهبي
فجر يوم الجمعة الواقع في: 4/9/2026 الساعة (05:10)




