العلم والفساد… لله وللتاريخ..!
الشيخ الدكتور خير الدين علي الهادي ||

لا تخفى أهمِّية العلم، وطلبه حقٌّ على الجميع، فبالعلم والمعرفة عُبِد الله تعالى، وبالجهل كانت الجرأة. والعلم سلاح المتعلِّمين يحرسهم ويدفع عنهم ويعظم شأنهم. ومن أفضل صفات الأولياء أنهم كانوا علماء زمانهم، فسبق فضلهم على أممهم وانقاد لهم الناس بوصفهم تلاميذ في مدرسة الأساتيذ، وهذه الرتبة -الأستاذيَّة- لا تدانيها رتبة شرفًا وفضلًا بحسب قراءتي، لذلك فهي مقدَّسة وينبغي الحفاظ عليها من المتسلِّقين الذين سرقوا الألقاب والرتب والعناوين سفاهة، من غير أن يعلموا أنَّهم بفعلهم الشنيع قتلوا العلم والمعرفة قبل قتلهم لأهل العلم، وهذه من الجنايات التي لا تغتفر؛ لأنَّها تهدم الحاضر والمستقبل.
إنَّ الفساد لم يكتفِ بما أحدثه في الجوانب الماليَّة والإداريَّة، بل غزا العلم والمعارف حتَّى بات أهل العلم غرباء في أوطانهم، بعد أن أصبح المتسلِّقون والمتملِّقون في مراكز القرار، فأخذوا يكيدون المكائد لأهل العلم والمعرفة قصدًا أو ربما غفلة، ظنًّا منهم أنَّهم وصلوا إلى مراتب علميَّة تؤهِّلهم ليكونوا ممَّن يحسنون الصنع وهم يفسدون.
لقد تتلمذت عبر المراحل الدراسية المختلفة على أيدي كبار العلماء، وكنت أقف بين أيدي الأساتيذ صغيرًا أستشعر هيبتهم لعلمهم ومعرفتهم، فقد كانوا يحسنون استثمار الوقت والدرس والمعلومة، وكانوا يفرضون أنفسهم بما ينشرون من المعارف التَّي كانت تحبس الأنفاس وتخرس الأفواه الفارغة ليحكم العلم، ولم نكن نشعر بالوقت حتَّى ساعة الانتهاء لما كنَّا نعيش من لحظات الأنس العلميِّ، بل حتَّى الاستطراد كان عند أساتذتي سبيلًا للتزوُّد بالمعرفة وكشف الأوراق العلميَّة.
أمَّا اليوم فقد غلب الفاسدون وتمكَّنوا من أسر العلماء وتحجيمهم وإبعادهم عن مراكز القرار بعد أن ساد أشباه المتعلِّمين وأصبحوا قادة المرحلة، فانتقلت حلقات الدرس إلى المزاح والقيل والقال، وصار الهمُّ عند الطالب والأستاذ هو انتهاء وقت الدرس، ولاسيما حينما منحت الشهادات العليا بالمحاباة والمحسوبيَّة، فأصبحت الدراسة في أضعف أيَّامها، زيادة على الغزو الذي غزانا بالشهادات التجاريَّة التي حصل عليها الطلبة من دول أخرى لا تهمُّها مصلحة العراق، بل تعمل على تصدير الشهادات تزويرًا أو تحريرًا من غير علم ولا معرفة إلى السوق العراقيِّ، الذي تصوَّر فيه الناس أن الشهادة أفضل وسيلة للكسب الماليِّ أو الوجاهة المجتمعيَّة بعد أن يحصل المرء على الدكتوراه وإن كان فارغًا، كما هو الحال عند كثير من الحاصلين عليها.
إنَّ الأمانة العلميَّة التي عهدناها عند الأساتيذ أصبحت في مهبِّ الريح، لذلك لا تستغرب المخرجات الجامعيَّة اليوم، إذ تنطبق الأمِّيَّة على كثير من حملة الشهادات العليا فلا يفرقون بين الناقة والجمل، وقد احتلُّوا المؤسسات التعليميَّة الأكاديميَّة وهم يحسبون أنَّهم يحسنون صنعًا، وهذا مؤشر خطير على الوجهة العراقيَّة التي كانت مدارًا للعلم والعلماء، وكان العالم ينظر إلى النتاجات العلميَّة العراقيَّة التي عسكرت في الجامعات الدوليَّة المختلفة فكانت حاضرة في كلِّ الميادين، واليوم أصبح التراجع سمة والتأخر عنوانًا، وهذا يستلزم مراجعة الحقِّ وعدم التمادي في الباطل.
إنَّ من أكثر الموبقات على النظام البائد عدم احترامه للعلماء والنيل منهم وتصفيتهم، ولكن الأمر لم يختلف كثيرًا بعد ذلك، إذ عمد الفاسدون إلى هدم المنظومة العلميَّة، وذلك من طريق منح المقاعد الدراسيَّة لغير أهلها؛ فقد سارعوا بمنح الشهادات العليا سياسيًا، وكذلك حصل عدد غير قليل من المشاهير على الشهادات العليا، من “البلوجرز” وصنَّاع محتوى “التيك توك”، وكأنَّ شغف الفساد بات يهدِّد عموم المفاصل المجتمعيَّة، فلم يعد للاختصاص فضل، ولم يعد للأساتيذ هيبة، فعزف العلماء عن مزاحمة المتسلِّقين، وأصبحت الفراغات كبيرة وقد لا ترقع، وهذا أوَّل السقوط إلى البئر الذي لا قاع له.




