الخميس - 03 سبتمبر 2026

الطائف الجديد: من يملك شروط التسوية اللبنانية المقبلة؟ (٢)..!

منذ ساعة واحدة
الخميس - 03 سبتمبر 2026

 أمين السكافي  ||

 

 

لم يكن اتفاق الطائف، في نهاية الثمانينيات، مجرد ورقة أنهت حرباً أهلية استمرت خمسة عشر عاماً. كان في جوهره صفقة سياسية كبرى أعادت توزيع السلطة، وأعادت تعريف العلاقة بين الطوائف والدولة، ورسمت حدوداً جديدة بين الداخل اللبناني والمحيط العربي والدولي.

لكن الطائف الذي أنهى الحرب لم ينجح في إنهاء كل أسبابها.

بقي السلاح خارج الدولة في مراحل مختلفة، وبقي الجنوب تحت الاحتلال الإسرائيلي حتى عام 2000، وبقيت العلاقة مع سوريا محكومة بتوازنات ما بعد الحرب، ثم دخل لبنان بعد ذلك في صراعات جديدة، من اغتيال رفيق الحريري إلى الانقسام الداخلي، وحرب تموز، و7 أيار، والحرب السورية، وانهيار 2019، وانفجار المرفأ، وصولاً إلى الحرب التي جعلت الجنوب مرة أخرى بوابة الصراع الإقليمي.

واليوم، بعد أكثر من ثلاثة عقود على الطائف، يعود السؤال الذي ظن اللبنانيون أنهم أغلقوه:

هل يحتاج لبنان إلى طائف جديد؟

لكن السؤال الأدق ليس هذا.

السؤال هو:

من يملك شروط الطائف الجديد؟ ومن يملك حق كتابة بنوده؟

أولاً: الطائف القديم لم يسقط… لكنه استنفد قدرته على إدارة الواقع

المفارقة اللبنانية أن معظم القوى السياسية، حتى تلك التي تختلف جذرياً في تفسير الطائف، لا تزال تعلن التمسك به.

والسبب بسيط: لا يوجد حتى الآن بديل يحظى بإجماع لبناني وعربي ودولي.

وثيقة الوفاق الوطني نفسها تقوم على مبادئ ما زالت تمثل الإطار الدستوري والسياسي للبنان: لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه، عربي الهوية والانتماء، دولة واحدة موحدة، ومؤسسات شرعية، مع هدف معلن هو إلغاء الطائفية السياسية تدريجياً. كما نصت على بسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية وعلى حل الميليشيات وتسليم أسلحتها إلى الدولة.

لكن المشكلة أن الطائف بقي في جوانب كثيرة نصاً غير مكتمل التنفيذ.

فاللامركزية الإدارية الموسعة لم تتحول إلى واقع كامل، والهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية لم تؤدِّ دورها التاريخي، والإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية بقيت مؤجلة، فيما استمرت الطائفية باعتبارها النظام الفعلي لإنتاج السلطة.

والأهم أن معادلة السلاح لم تُحسم بصورة نهائية.

ولهذا فإن أي تسوية جديدة لن تستطيع ببساطة أن تلغي الطائف.

ستحاول، على الأرجح، إعادة تفسيره وتطبيق الأجزاء التي بقيت معلقة منه.

ثانياً: الجنوب هو مفتاح التسوية وليس هامشها

لم يعد ممكناً فصل مستقبل الجنوب عن مستقبل النظام اللبناني.

فالحكومة اللبنانية دخلت فعلياً في مسار يربط بين حصر السلاح بيد الدولة، وتعزيز دور الجيش، وتنفيذ القرار 1701، والتفاوض على القضايا الحدودية والأمنية مع إسرائيل.

وفي أحدث المواقف الرسمية، جرى تحديد خمسة أهداف مترابطة: تنفيذ الطائف والقرار 1701، حصر السلاح بيد الدولة، إنهاء الوجود المسلح غير الحكومي، نشر الجيش، وانسحاب إسرائيل من النقاط الخمس وتسوية قضايا الحدود والأسرى عبر المفاوضات غير المباشرة.

وهنا تظهر العقدة.

إسرائيل تقول عملياً إن انسحابها مرتبط بمسألة سلاح حزب الله؛ ففي أغسطس أعلنت أن انسحابها من جنوب لبنان لن يتم قبل نزع سلاح الحزب.

أما لبنان الرسمي فيقول إن أي تسوية يجب أن تتضمن أيضاً الانسحاب الإسرائيلي.

إذن نحن أمام معادلة شديدة التعقيد:

إسرائيل تريد ضماناً أمنياً قبل الانسحاب، ولبنان يريد الانسحاب قبل تثبيت الترتيب الأمني النهائي.

ومن هنا يأتي دور الوسيط الأميركي.

ثالثاً: واشنطن… اللاعب الذي يملك مفتاحاً ولا يملك لبنان كله

الولايات المتحدة هي اليوم اللاعب الخارجي الأكثر تأثيراً في صياغة المسار الجديد.

لكن واشنطن لا تملك وحدها القدرة على فرض تسوية لبنانية.

هي تستطيع الضغط على لبنان.

وتستطيع التأثير في إسرائيل.

وتستطيع تقديم المساعدات للجيش.

وتستطيع التأثير في المؤسسات المالية الدولية.

وتستطيع فتح الباب أمام إعادة الإعمار.

لكنها لا تستطيع وحدها إنتاج شرعية لبنانية لتسوية لا يقبل بها جزء أساسي من المجتمع اللبناني.

وهنا تكمن أهمية الاتفاق الإطاري اللبناني ـ الإسرائيلي الذي رعته الولايات المتحدة في يونيو 2026.

الرئيس جوزاف عون نفسه شدد على أن الوثيقة ليست اتفاق سلام، بل «إطار»، وأنها تتضمن ملفات الانسحاب الإسرائيلي وعودة النازحين والأسرى وقضايا أخرى.

وهذا التفصيل بالغ الأهمية.

فالإطار ليس «طائفاً جديداً».

لكنه يمكن أن يصبح الممر الذي يقود إلى طائف جديد إذا تحولت الترتيبات الأمنية إلى تسوية سياسية داخلية.

رابعاً: إسرائيل تملك ورقة الأرض… لكنها لا تملك مفتاح لبنان

إسرائيل هي الطرف الذي يملك أقوى أوراق الضغط العسكرية.

وجودها في نقاط من الجنوب يمنحها قدرة على ربط الانسحاب بمطالب أمنية وسياسية.

لكن إسرائيل تواجه مشكلة أساسية:

يمكنها أن تضغط عسكرياً على لبنان، لكنها لا تستطيع وحدها إنتاج دولة لبنانية مستقرة.

وإذا أصبح الهدف الإسرائيلي هو إعادة صياغة النظام اللبناني بالكامل، فإن المهمة تصبح أكثر تعقيداً.

فلبنان ليس مجرد حدود مع إسرائيل.

هناك طوائف، وذاكرة حرب، ومقاومة، وجيش، وأحزاب، واقتصاد، وارتباطات عربية ودولية.

ولهذا فإن أي محاولة لتحويل الهزيمة العسكرية لطرف لبناني إلى هزيمة سياسية واجتماعية لطائفة كاملة قد تكون وصفة لحرب داخلية جديدة.

وهنا تكمن إحدى أهم قواعد التسوية المقبلة:

لا يمكن بناء الدولة على أنقاض مكوّن لبناني كامل.

خامساً: حزب الله… الطرف الذي لا يستطيع فرض الطائف ولا يستطيع تجاهله

حزب الله يدخل المرحلة الجديدة وهو في وضع مختلف عن السنوات السابقة.

فالحرب أضعفت قدراته العسكرية والبنية التي كانت تمنحه هامشاً واسعاً للحركة، كما أصبح موضوع السلاح في صلب جدول الأعمال الدولي واللبناني.

لكن القول إن الحزب انتهى سياسياً سيكون قراءة سطحية.

الحزب ليس سلاحاً فقط.

هو تنظيم سياسي، وكتلة اجتماعية، وبيئة شعبية، ومؤسسات، وذاكرة مقاومة، وشبكة علاقات إقليمية.

ولذلك فإن التسوية التي تتعامل معه باعتباره «مشكلة أمنية» فقط ستصطدم بواقع اجتماعي وسياسي.

السؤال الحقيقي ليس فقط:

ماذا سيحدث لسلاح الحزب؟

بل:

ماذا سيحدث للحزب بعد السلاح؟

هل يتحول إلى حزب سياسي كامل؟

هل يبقى له دور دفاعي محدد ضمن استراتيجية وطنية؟

هل يجري دمج جزء من قدراته ضمن مؤسسات الدولة؟

هل يقبل بتسوية مرحلية؟

هذه الأسئلة هي التي ستحدد قدرة أي طائف جديد على الحياة.

سادساً: نبيه بري… لماذا لا يمكن تجاوز الرجل الذي يعرف لغة التسويات؟

في أي تسوية لبنانية كبرى، سيكون من الصعب تجاهل رئيس مجلس النواب نبيه بري.

ليس فقط لأنه رئيس السلطة التشريعية منذ سنوات طويلة، بل لأنه يمثل قناة اتصال مع بيئة أساسية في الجنوب، ولأنه يمتلك خبرة طويلة في إدارة الأزمات والتفاوض.

والأهم أن بري لا ينطلق من رفض الدولة.

بل من تفسير مختلف للدولة.

فالمعادلة التي طرحها تاريخياً تقوم على الجمع بين الدولة والمقاومة والجيش، وهو ما ظهر بوضوح في مواقفه السياسية السابقة المتمسكة بالطائف وبمعادلة «الشعب والجيش والمقاومة».

لذلك فإن محاولة إنتاج تسوية تتجاوز بري أو البيئة الشيعية التي يمثلها لن تكون تسوية مكتملة.

سابعاً: السعودية… الغائب الذي قد يعود بقوة

في الطائف الأول، كانت السعودية جزءاً أساسياً من البيئة العربية التي احتضنت التسوية.

أما اليوم، فالمشهد مختلف.

السعودية لم تعد تريد لبنان الذي يعتمد على التسويات الطائفية فقط.

هي تريد دولة مستقرة، قادرة على حماية نفسها، ومنفتحة على العالم العربي، وقابلة للإصلاح الاقتصادي.

وهذا يعني أن أي طائف جديد سيحتاج إلى مظلة عربية حتى لو كانت واشنطن صاحبة التأثير الأمني الأكبر.

فلبنان لا يستطيع أن يعيش أميركياً فقط.

ولا يستطيع أن يعيش إيرانياً فقط.

ولا يستطيع أن يعيش إسرائيلياً.

لبنان، بحكم تركيبته وموقعه، يحتاج إلى إعادة بناء علاقته بالعالم العربي.

وهنا يمكن أن تصبح الرياض أحد الممولين الأساسيين لمرحلة إعادة الإعمار، وأحد الأطراف المؤثرة في أي صيغة اقتصادية وسياسية مقبلة.

ثامناً: سوريا… المتغير الذي لا يمكن تجاهله

إذا كان الطائف الأول قد تعامل مع سوريا باعتبارها قوة إقليمية موجودة داخل لبنان، فإن أي طائف جديد سيضطر إلى التعامل مع سوريا مختلفة.

سوريا اليوم ليست سوريا ما قبل 2005.

وهذا يفتح ملفاً بالغ الأهمية:

الحدود.

التهريب.

النازحون.

المعابر.

العلاقات الاقتصادية.

والترتيبات الأمنية.

الرئاسة اللبنانية طرحت بالفعل ترسيم وتثبيت الحدود مع سوريا بمساعدة الولايات المتحدة وفرنسا والسعودية والأمم المتحدة، إلى جانب معالجة ملف النازحين ومكافحة التهريب والمخدرات.

وهذه ليست تفاصيل تقنية.

إنها جزء من تعريف لبنان الجديد لحدوده وسيادته.

تاسعاً: الجيش… قد يكون صاحب الدور الأكبر في الطائف الجديد

إذا كان اتفاق الطائف قد أعاد بناء السلطة السياسية، فإن التسوية المقبلة قد تكون مختلفة: قد يبدأ بناؤها من المؤسسة العسكرية.

الجيش هو المؤسسة التي يمكن أن تجمع ما لا تستطيع الأحزاب جمعه.

ولهذا أصبح دعمه جزءاً من أي تصور دولي للبنان.

وتقرير الأمم المتحدة حول تنفيذ القرار 1701 أشار إلى أن الجيش اللبناني أعلن في يناير 2026 دخول خطته لحصر السلاح مرحلة متقدمة جنوب الليطاني، وأن الحكومة كلفته إعداد خريطة طريق للمناطق الواقعة شمال الليطاني.

لكن الجيش يحتاج إلى المال والسلاح والتدريب.

والدولة تحتاج إلى اقتصاد قادر على تمويله.

ولهذا يصبح السؤال الاقتصادي جزءاً من السؤال الأمني.

عاشراً: المال… الطائف الجديد لن ينجح بلا إعادة إعمار

هذه النقطة قد تكون الأكثر إغفالاً في النقاش السياسي.

لا يمكن أن تطلب من الجنوب أن يقبل ترتيبات أمنية جديدة، ثم تترك قراه مدمرة.

ولا يمكن أن تطلب من اللبنانيين التخلي عن اقتصاد الحرب، ثم لا تقدم لهم اقتصاداً بديلاً.

ولهذا فإن التسوية المقبلة ستحتاج إلى صفقة اقتصادية موازية للصفقة الأمنية.

إعادة الإعمار.

إصلاح المصارف.

إعادة هيكلة الدين.

إصلاح الكهرباء.

تطوير المرافئ.

إعادة الثقة بالقطاع المصرفي.

إصلاح الإدارة.

وقف التهريب.

وضمان تدفق الاستثمارات العربية والدولية.

الرئيس عون طرح بالفعل عقد مؤتمر دولي للمانحين لإعادة إعمار لبنان، إلى جانب دعم الجيش وترسيم الحدود والإصلاحات الأخرى.

وهنا تصبح إعادة الإعمار جزءاً من السياسة، لا مجرد ملف إنساني.

الحادي عشر: من يملك شروط الطائف الجديد؟

إذا جمعنا كل هذه العناصر، نصل إلى نتيجة واضحة:

لا أحد يملك الطائف الجديد وحده.

أميركا تملك الضغط.

إسرائيل تملك القوة العسكرية وورقة الاحتلال.

السعودية تملك جزءاً مهماً من الشرعية العربية والقدرة المالية.

إيران تملك نفوذاً داخل البيئة الشيعية وعلاقة تاريخية بحزب الله.

سوريا تملك مفاتيح الحدود الشرقية والشمال الشرقي.

فرنسا وأوروبا تملكان أدوات دبلوماسية واقتصادية.

الأمم المتحدة تملك الشرعية الدولية.

الجيش يملك شرعية المؤسسة الوطنية.

وحزب الله يملك تمثيلاً شعبياً وسياسياً لا يمكن تجاهله.

والقوى المسيحية والسنية والدرزية تملك بدورها قدرة على تعطيل أي صيغة لا تشارك في إنتاجها.

أما الشعب اللبناني، فيملك شيئاً أخطر:

حق القبول أو الرفض.

ولهذا فإن التسوية التي تصنعها العواصم الخارجية وتُفرض على بيروت لن تكون مستقرة.

الطائف الجديد لن يكون نسخة عن الطائف القديم

الطائف الأول جاء بعد حرب أهلية.

أما الطائف الجديد، إذا جاء، فقد يأتي بعد حرب إقليمية امتدت إلى لبنان، وانهيار اقتصادي، وتحول في موازين القوى، وتغير في النظام الإقليمي.

الطائف الأول أعاد توزيع السلطة بين الرئاسات والطوائف.

أما الطائف الجديد، فقد يكون مطلوباً منه أن يعيد تعريف العلاقة بين:

الدولة والسلاح،
المركز والأطراف،
الجيش والمقاومة،
لبنان والعالم العربي،
لبنان وسوريا،
لبنان وإسرائيل،
والاقتصاد اللبناني والخارج.

وهذا أكبر بكثير من تعديل مادة دستورية.

الخلاصة: المعركة ليست على الطائف… بل على لبنان الذي سيأتي بعده

ربما تكون أكبر غلطة أن نعتقد أن المعركة الحالية هي فقط معركة حول سلاح حزب الله.

السلاح هو العنوان الظاهر.

أما القضية الأعمق فهي:

من سيملك القرار اللبناني بعد انتهاء الحرب؟

هل يكون لبنان أكثر ارتباطاً بواشنطن؟

هل يعود بقوة إلى الحضن العربي؟

هل يحتفظ بعلاقته الاستراتيجية مع إيران؟

هل يتجه إلى حياد أكثر وضوحاً؟

هل تتحول المقاومة إلى قوة سياسية ضمن الدولة؟

هل يصبح الجيش صاحب القرار العسكري الوحيد؟

هل يحصل الجنوب على ضمانات دولية؟

وهل يستطيع لبنان أن يعيد بناء اقتصاده من دون أن يتحول إلى دولة مرتهنة للدائنين والمانحين؟

هذه هي أسئلة الطائف الجديد.

ولهذا، فإن الطائف المقبل ـ إذا ولد ـ لن يولد في مدينة الطائف بالضرورة.

قد يبدأ في قرية جنوبية مدمرة.

وقد يكتب أول سطوره في مفاوضات بين لبنان وإسرائيل.

وقد يمول جزءاً منه الخليج.

وقد تضغط عليه واشنطن.

وقد تحاول إيران التأثير في بنوده.

وقد تضبطه الأمم المتحدة.

لكن توقيعه الحقيقي يجب أن يكون في مكان واحد:

في الداخل اللبناني.

لأن التجربة اللبنانية أثبتت أن الاتفاق الذي لا يملك شرعية الداخل يعيش، حتى لو حظي بدعم الخارج، على جهاز تنفس سياسي.

أما التسوية التي تجمع الخارج والداخل، وتربط الأمن بالاقتصاد، والسيادة بالعدالة، والسلاح بحماية الحدود، وإعادة الإعمار بإعادة بناء الدولة، فقد تكون بالفعل بداية الجمهورية اللبنانية الجديدة.

وعندها فقط يمكن أن نقول إن لبنان لم يدخل طائفاً ثانياً.

بل دخل مرحلة سياسية ثانية من تاريخه .