المنفذ الحدودي.. أول ما يراه الزائر وآخر ما يهتم به المسؤول..!
عباس سرحان ||

قبل أن يطأ الزائر أرض العراق، وقبل أن يلتقي بأهله أو يزور مدنه، تستقبله بوابة واحدة تختصر أمامه صورة البلد كله، انه المنفذ الحدودي البري. وهذه اللحظة الأولى، على بساطتها، تحمل من الدلالة أكثر مما يتصوره كثير من المسؤولين؛ فالزائر لا يقرأ تقارير الموازنة ولا يطّلع على خطط التنمية، لكنه يرى بعينه أرضاً مغبرة أو مبلّطة، دورة مياه نظيفة أو مهملة، شجرة تظلّله أو شمساً تحرقه . من هذه التفاصيل الصغيرة تتشكل الانطباعات الاولى عن الدولة التي هو بصدد دخولها.
والمفارقة المؤلمة أن هذا المشهد يتكرر بوضوح فاقع عند اغلب المنافذ البرية المقابلة لإيران، حيث تفصل بين الجانبين خطوات معدودة، لكنها خطوات تفصل أيضاً بين عالمين مختلفين تماماً في المظهر والخدمة.
فمنافذنا الحدودية تكرر المشهد ذاته، طرقا متشققة، أرضا ترابية تتطاير غباراً تحت خطوات العابرين وعجلات السيارات المارة، غياب شبه كامل للمساحات الخضراء والأشجار التي تخفف من وطأة الحر، ودورات مياه لا تليق باستقبال زائر عادي فضلاً عن استقبال العابرين للمشاركة بالزيارات المليونية التي يشهدها العراق سنوياً.
في المقابل، وعلى بعد أمتار قليلة فقط، يقف الجانب الإيراني من المنفذ ذاته شاهداً على فارق واضح في الاهتمام، طرق معبّدة بعناية، تشجير منظم يمتد على جانبي الطريق، ساحات مبلطة ونظيفة، إنارة مدروسة، ولافتات إرشادية واضحة تمنح الزائر شعوراً بأنه دخل إلى مكان يدار باهتمام واضح.
هذا التباين لا يحتاج إلى تقارير رسمية لإثباته؛ بل يكفي أن يقف المرء عند الخط الفاصل بين المنفذين ليرى الفارق بأم عينه، فيتحول العبور من الجانب العراقي إلى الجانب الإيراني إلى انتقال بصري صادم قبل أن يكون انتقالاً جغرافياً.
ولعل أصدق تعبير عن هذا الفارق ما قد ينطق به زائر إيراني عابر حين تطأ قدماه الجانب العراقي من المنفذ للمرة الأولى، فيقول متسائلاً بشيء من الحيرة “أهذا هو العراق الذي سمعنا عن حضارته وتاريخه العريق؟ أين الطرق، وأين الظل؟ لم أكن أتوقع أن أجد الغبار والإهمال أول المستقبلين لي”.
وفي المقابل، حين يعبر مواطن عراقي إلى الجانب الإيراني من المنفذ ذاته، قد يهمس لنفسه بحسرة ممزوجة بإعجاب “بخطوات معدودة انتقلنا من أرض ترابية مهملة إلى شوارع مبلطة وأشجار مصطفة بعناية.. لماذا لا نستطيع نحن أن نقدّم هذا المشهد للضيوف في بلدنا؟”.
الأدهى أن هذا الإهمال ليس نتيجة غياب الموارد، فالمنافذ الحدودية تحقق عائدات مالية كبيرة. لكن المشكلة تكمن في غياب الأولوية والاهتمام. فالحديث الرسمي المتكرر عن “الارتقاء بمستوى الخدمات” و”تطوير البنى التحتية” في هذه المنافذ يتجدد دائما، لكنه يبقى في الغالب حديثاً بلا أثر ملموس على الأرض، فيما تتكرر مشاهد الزحام والغبار وضعف الخدمات في كل مناسبة دينية أو تجارية تشهد ازدحاماً كثيفاً على هذه المنافذ.
لذلك، ينبغي أن يستشعر كل مسؤول معني بهذا الملف، أن صورة العراق تُبنى أو تُهدم عند هذه النقاط تحديداً، وأن الفارق بين منفذ نظيف مشجّر ومنفذ مغبر مهمل ليس تفصيلاً جمالياً عابراً، بل مقياس حقيقي لجدية الدولة في احترام نفسها قبل احترام زوارها.
ومع الاشادة بكل ما يظهره العاملون في المنافذ الحدودية من حسن تعامل مع الوافدين والمغادرين يسجل لهم. تبقى الحاجة ملحة لتطوير منافذنا الحدودية لتليق بنا كشعب وبلد صاحب حضارة عريقة.




