قال تعالى: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا..!
✍️ السيد بلال وهبي ||

(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)
قال تعالى: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ … ﴿سورة البقرة: 109﴾
تكشف الآية الكريمة عن حقيقة بالغة الأهمية في علاقة كثير من أهل الكتاب مع المسلمين، حيث يود هؤلاء أن يرتد المسلمون عن دينهم، وأن يكونوا كفَّارًا، والسبب في ذلك أنهم يحسدون المسلمين على كمال دينهم، وظهوره على الدين كله، وذلك علمًا منهم أن هذا الدين قادر على قيادة الحياة الإنسانية في مختلف أبعادها، وقادر على تقديم النموذج الحضاري الرباني الذي يستوعب حركة الإنسان، ويتقدم بها في ميادين الكمال المادي والمعنوي والروحي.
من هنا يبذل هؤلاء جهودًا جبَّارة لإخراج المسلمين من دينهم، لإفقادهم الميزة الأهم التي يتمتعون بها من جهة، ولجعلهم تابعين لهم من جهة أخرى، لأن تمسُّك المسلمين بدينهم يمنع أعداءهم من النيل منهم والتأثير فيهم واستتباعهم.
فالآية الكريمة تكشف رغبتهم في نزع المسلمين من مرجعيتهم العقدية والفكرية والشرعية، وجعلهم كفّارًا ضالين تائهين بلا مرجعية واضحة، ﴿حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾. والحسد هنا ليس مجرد غيرةٍ بين جماعة وأخرى، ولا مجرد تنافسٍ بين جماعتين، بل موقف فكري حضاري: إنهم يرون التزام المسلمين بدينهم وقيمهم وشريعتهم، يرونه فعلًا حضاريًا مؤثِّرًا، ونموذجًا حضاريًا ملهمًا وجاذبًا، فيتمنون زوال ذلك.
وقد أشار عدد من المفسرين إلى هذا المعنى حين ربطوا الحسد بما اختص الله به المؤمنين من الهداية والرسالة، أي أن المشكلة تتمثل في رفض كثير من أهل الكتاب أن تكون هذه الحقيقة عند المسلمين.
وهنا تصبح الآية شديدة الصلة بواقعنا. ففي لبنان، يظهر هذا المنطق في بعض الخطابات الانعزالية أو الإقصائية التي تقول لنا: أنتم لا تشبهوننا. وتقول: لا يمكننا العيش معكم. وقد يبدو الشعار، في ظاهره، مجرد وصف للاختلاف الثقافي، والاختلاف في ذاته ليس مشكلة. فالمجتمعات الحية لا تحتاج إلى أن تتطابق لكي تتعايش. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول عبارة (لا تشبهوننا) من وصف للاختلاف إلى موقف استعلائي مقيت، ومن اعتراف بالتنوع إلى مطالبة الآخر بأن يتخلى عن دينه وثقافته ومرجعيته وعاداته حتى يصبح مقبولًا. عندها لا يعود المطلوب هو التعايش مع المختلف، بل إعادة تشكيل المختلف وفق رؤيتهم وثقافتهم ونظرتهم إلى الحياة ونمط العيش فيها.
يقال: نحن نريد أن نعيش، ونستمتع بالحياة، ونسبح، ونمارس حريتنا كما نريد. ولا مشكلة في أصل هذه الرغبات، فالإسلام نفسه ليس دينًا للعبوس والحزن والقنوط، ولا يحرم الإنسان من الفرح والجمال والرياضة والاستمتاع بما أباح الله.
لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول طريقة عيش فئة من الناس إلى معيار وحيد للحياة والحضارة، ثم يُقال للآخر بصورة مباشرة أو غير مباشرة: لكي تكون متحضرًا، ولكي تكون -في نظرهم- لبنانيًا حقيقيًا، ولكي تنتمي إلى الحياة، عليك أن تتخلى عن جزء من هويتك.
هنا ينبغي أن ننتبه إلى لعبتهم الفكرية. فقد لا تكون رغبتهم مبدئيًا في أن نقتنع بأفكارهم، بل المطلوب أن نشعر بالخجل من هويتنا. وقد لا يكون المطلوب أن نغير سلوكنا، بل إنهم يريدون أن يحقِّروا ديننا وعقيدتنا وقيمنا ونمط عيشنا. أن نبدأ بالنظر إلى جميع ذلك باعتباره عائقًا أمام الحياة الكريمة.
وهنا يصبح السؤال: لماذا يخشى هؤلاء أن نعيش نمط الحياة الذي نريده، والذي ينبثق من نظرتنا إلى الحياة والدنيا والآخرة. ما الذي يزعجهم في أن نختار لباسنا الذي يأمرنا به ديننا، أو أن نلتزم بعاداتنا؟ أو أن نربي أبناءنا على قيمنا؟ ولماذا ينبغي أن يكون التحرر من عقيدتنا شرطًا للانتماء إلى لبنان؟
إن الحضارة الحقيقية لا تقول للآخر: كن نسخة مني حتى أعترف بإنسانيتك.
بل تقول له: كن أنت، ولنتحاور حول ما نختلف فيه، ولنبحث عن المشترك الذي يجعلنا نعيش معًا.
ومن هنا فإن الآية الكريمة تمثل دعوة لنا إلى أن تكون لدينا مناعة إيمانية وعقائدية وقيمية وسلوكية، وأن نعرف أن هجوم بعض الانعزاليين علينا ناشئ من أن وجودنا المستقل يزعجهم، لأنهم لا يريدون لنا أن نكون نِدًا لهم بل مجرد تابعين. وهذا ما ينبغي للمؤمن أن يرفضه: أن يتخلى عن هويته لكي يُسمح له بأن يكون جزءًا من وطنه، وهذا لن يكون أبدًا إن شاء الله.
✍️ السيد بلال وهبي
فجر يوم الأربعاء الواقع في: 2/9/2026 الساعة (05:02)




