قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا… ﴿سورة البقرة: 104﴾..!
السيد بلال وهبي ||

(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)
قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا… ﴿سورة البقرة: 104﴾
إن رعاية الله للمؤمنين لا تقتصر على صعيد واحد، وتدبيره لأمورهم لا يقتصر على الكبير منها، فرب أمور تبدو صغيرة في ظاهرها، ولكنها تؤثِّر في المؤمنين وعلى صورتهم وحضورهم في حياة الناس، فيأمرهم بشيء، أو ينهاهم عن شيء صيانة لهم، وحفظًا لعزتهم وكرامتهم، ومن ذلك الآية الكريمة التي بين أيدينا.
ظاهر الآية واضح لا لبس فيه، إذ ينهى الله المؤمنين عن استخدام كلمة (راعنا) في طلبهم من النبي (ص) أن يتمهّل في حديثه أو فيما يقرؤه عليهم من القرآن الكريم، حتى يتمكنوا من فهمه وحفظه، وأن يستخدموا بدلًا من ذلك كلمة (انظرنا).
قد يبدو الأمر للوهلة الأولى متعلقًا بكلمة واحدة: لا تقولوا «راعنا»، وقولوا بدلًا منها «انظرنا». لكن التأمل في سياق الآية يكشف أن القضية أوسع بكثير من مجرد استبدال لفظ بلفظ، إنها تربية قرآنية على الانتباه إلى الثغرات التي يمكن أن ينفذ منها العدو، وعلى أن المؤمن لا يكتفي بأن تكون نيته سليمة، بل عليه أن يراعي أيضًا أثر قوله وفعله، وكيف يمكن للآخرين أن يستغلوا ذلك.
كانت كلمة «راعنا» في الاستعمال العربي تعني: أمهلنا، أو التفت إلينا، أو استمع إلينا. وكان المسلمون يخاطبون بها رسول الله (ص) طلبًا للتمهل في الحديث حتى يفهموا عنه. غير أن بعض اليهود كانوا يتعمَّدون استعمالها على وجه يحمل معنى السخرية أو الانتقاص، مستغلين تقارب اللفظ في لغتهم أو اختلاف طريقة أدائه. فجاء التوجيه الإلهي للمؤمنين بأن يتركوا هذا اللفظ، مع أن المعنى الذي يريدونه منه صحيح، وأن يستعملوا لفظًا آخر لا يترك مجالًا لهذا التلاعب. وهنا تكمن دقة التربية القرآنية للمؤمنين:
ليس كل ما يجوز في ذاته، مناسبًا للاستمرار في استعماله إذا تحوَّل إلى ثغرة يستغلها أعداؤنا.
فالله تعالى لا يؤنِّب المؤمنين على استخدامهم كلمة شائعة الاستعمال، ولا إساءة فيها بذاتها، ولكنه ينبِّههم إلى مسألة في غاية الدقة: إن القول أو الفعل وإن لم تكن فيه إساءة في ذاته، ولكن إذا كان العدو يستطيع أن يحرِّفه ويستعمله للنيل منكم، فالأولى أن تسدوا عليه هذا الباب، وهذه بلا شك تربية لنا على الوعي بنتائج أقوالنا وأفعالنا وكل سلوك يكون منا، أن نعي كيف يمكن للعدو أن يتلقاه، وكيف يمكن أن يستفيد منه، لا أن نكتفي بسلامة نيتنا في ذلك، وبكلمة أخرى: إن الله تعالى يخلق فينا نحن المؤمنين يقظة عالية تجاه كل كلمة أو موقف يمكن أن يستفيد منه أعداؤنا للنيل منا أو الانقضاض علينا.
ولقد عرف أعداء الحق عبر التاريخ أن المواجهة لا تكون دائمًا بالسلاح الصريح. أحيانًا تكون الكلمة سلاحًا، وأحيانًا يكون الالتباس سلاحًا، وأحيانًا يكون استغلال خطأ صغير في القول أو السلوك أكثر فاعلية من مواجهة مباشرة. ولهذا جاءت الآية الكريمة لتقول للمؤمنين، في واقعة تبدو محدودة جدًا: انتبهوا إلى كلماتكم، فليس كل لفظ بريئًا في جميع البيئات، وليس كل تعبير يؤدي المعنى نفسه في كل لغة وثقافة وزمان. وقد تحمل الكلمة إيحاءً لا ينتبه إليه المتكلم، بينما ينتبه إليه العدو جيدًا، فيقتطعها من سياقها، أو يعيد تفسيرها، أو يوظِّفها في غير ما أراد صاحبها.
ومن هنا صحَّ ما يقال: إن دقة المصطلح جزء من دقة التفكير. فالإنسان لا يتعامل بالكلمات بوصفها أصواتًا مجردة، وإنما يتعامل معها بما تحمله من دلالات وإيحاءات وصور ذهنية. ولذلك كان القرآن شديد العناية بالكلمة، لأن الكلمة قد تبني مفهومًا، وقد تهدم مفهومًا، وقد تفتح بابًا، وقد تغلقه.
ومن هنا يمكن أن نفهم قوله تعالى في ختام الآية: ﴿وَاسْمَعُوا﴾، بوصفه دعوةً إلى السمع الواعي، فالمسألة ليست مجرد اختيار لفظ بديل، وإنما أن يتعلم المؤمن السمع الواعي، أن يسمع ويفهم، وأن يتدبر فيما يقال، وأن يزن الألفاظ قبل أن يستعملها.
وإذا كان الله سبحانه قد أمر المؤمنين بأن يتركوا كلمة واحدة لأنها يمكن أن يستغلها الخصم للنيل منهم ومن نبيهم، فكيف بالأفعال والمواقف والسلوكيات التي يمكن أن تتحول إلى مادة جاهزة للطعن في الإسلام وأهله؟
إذا كان المؤمن مطالبًا بألّا يعطي عدوه فرصة في لفظة، فكيف يعطيه فرصة في سلوكه؟ كيف يرضى المؤمن أن يكون كذبه مادة للطعن في دينه؟ أو غدره مادة للطعن في أخلاق الإسلام؟ أو ظلمه مادة للطعن في عدالة الإسلام؟ أو فساده مادة للطعن في أمانة المؤمنين؟ أو اعتداؤه على الناس مادة لتشويه صورة الدين الذي ينتمي إليه؟
فليس بالضرورة أن يواجهنا الأعداء بالسلاح دائمًا، أو أن يأتوا إلينا وجهًا لوجه، إنما ينتظرون أن نفتح لهم ثغرة ينفذون منها، والقرآن هنا يعلمنا ألا نعطيهم هذه الثغرة. فالمؤمن لا يعيش في فراغ، ولا يتصرف وكأن أفعاله شأن شخصيٌ محض. إنه ينتمي إلى جماعة، ويحمل اسم دين، ويمثل في سلوكه ــ شاء أم أبى ــ صورةً عن هذا الدين لدى الآخرين.
ومن هنا يصبح حسن السلوك مسؤوليةً تجاه الفرد نفسه، وتجاه دينه وأمته، كما تصبح الأخلاق الحسنة دفاعًا عن الإسلام قبل أن تكون مجرد فضيلة شخصية.
✍ السيد بلال وهبي
فجر يوم الإثنين الواقع في: 31/8/2026 الساعة (05:01)




