بعد 30 أيلول.. من سيملك القرار ؟!
الكاتب والباحث بالشأن السياسي أثير الشرع ||

ثلاثون يوماً تقريباً تفصل العراق عن 30 أيلول، موعدٌ يفترض أن يكون محطة لإغلاق صفحة الوجود العسكري للتحالف الدولي، لكنه تحول في الأسابيع الأخيرة إلى عنوان لأزمة أكبر: ماذا سيحدث للسلاح الموجود خارج مؤسسات الدولة؟ ومن يقرر مصيره؟
وهنا، ربما علينا أن نتوقف قليلاً عند جوهر القضية؛ لأن العراق لا يواجه اليوم مشكلة إنسحاب أميركي فقط، ولا مشكلة سلاح فصائل فقط، العراق يواجه إختباراً حقيقياً لمفهوم الدولة.
فإذا كان خروج القوات الأميركية يعني إكتمال السيادة العراقية، كما تقول الحكومة، فإن السؤال المنطقي الذي يطرح نفسه هو: إذا إكتملت السيادة، فما الذي يبقى من مبرر وجود سلاح وقرار عسكري خارج مؤسسات الدولة؟ هذا السؤال هو الذي يجعل 30 أيلول مختلفاً عن كل المواعيد السابقة.
شروط الفصائل.. إلى أين؟
بعض الفصائل وضعت شروطاً لتسليم السلاح، وبعضها تتحدث عن قائمة من المطالب والضمانات، فيما تحاول الحكومة والإطار التنسيقي إدارة الملف بالحوار لا بالمواجهة، وهذا مفهوم سياسي، فلا أحد يريد أن يتحول ملف السلاح إلى حرب داخلية.
لكن هناك فرقاً بين الحوار الذي يقود إلى حل، والحوار الذي يتحول إلى وسيلة لتأجيل الحل، والسؤال الذي ينبغي أن يطرح بصراحة هو:
هل تستطيع الدولة أن تفاوض على كيفية تطبيق القانون، أم أصبحت تفاوض على أصل حقها في تطبيق القانون؟ هذه هي النقطة الفاصلة.
إذا كانت الشروط تتعلق بضمانات قانونية، ومستقبل عناصر الفصائل، وآليات دمجهم، وتنظيم وضع الحشد، وحماية العراق من أي تهديد خارجي، فهذه قضايا قابلة للنقاش، أما إذا أصبحت الشروط تعني الإحتفاظ بالسلاح إلى أجل غير مسمى، أو إمتلاك قرار مستقل بإستخدامه، أو تحديد متى تكون الدولة قادرة على ممارسة سلطتها، فهنا لا تعود القضية تفاوضاً سياسياً، بل تصبح إعادة تعريف للدولة.
الحكومة.. بين هيبة القانون وخوف الصِدام..
الحكومة العراقية تعلم جيداً أن المواجهة المباشرة ليست خياراً سهلاً؛ فهي لا تريد فتح جبهة داخلية، ولا تريد أن تتحول بغداد إلى ساحة صراع بين مؤسسات الدولة وفصائل مسلحة، ولهذا أتجهت إلى الحوار، لكن الحوار يحتاج إلى نهاية.
اللافت في الأيام الأخيرة أن الخطاب الحكومي بدأ يميز بين موعد الإنسحاب الأميركي وبين مهلة تسليم السلاح؛ أي أن 30 أيلول هو موعد الإنسحاب وليس بالضرورة «ساعة صفر» تنتهي عندها كل مراحل حصر السلاح، وهنا يجب أن تنتبه الحكومة إلى أمر بالغ الحساسية:
المرونة مطلوبة، لكن الغموض خطر، يمكن للحكومة أن تقول إن ملف السلاح سيُعالج على مراحل، لكن عليها أن تقول أيضاً: ما هي هذه المراحل؟ ومن يراقبها؟ وما سقفها الزمني؟ وما الذي سيحدث إذا لم يلتزم طرف بها؟ لأن عدم وجود إجابات واضحة سيجعل 30 أيلول مجرد تأريخ في التقويم، بينما تبقى المشكلة كما هي.
الإطار التنسيقي أمام لحظة لا تشبه غيرها، وربما تكون مسؤولية الإطار التنسيقي اليوم أكبر من مسؤولية أي طرف سياسي آخر، لماذا؟
لأن الإطار يستطيع أن يفعل ما لا تستطيع الحكومة فعله وحدها؛ فالإطار يستطيع أن يتحدث مع الفصائل من داخل البيت السياسي نفسه، ويستطيع أن يقنعها بأن حصر السلاح بيد الدولة ليس إستهدافاً لها ولا إنتصاراً لأميركا، بل هو في النهاية حماية لها وللعراق معاً.
لكن الإطار أمام خيارين:
إما أن يكون جسر الدولة إلى الفصائل، أو يتحول إلى جدار يحول دون وصول الدولة إلى الفصائل، والفرق بين الدورين سيحدد مستقبل العراق.
إذا نجح الإطار في إقناع الفصائل بأن المرحلة المقبلة يجب أن تنتقل من المقاومة المسلحة إلى الدولة القادرة على حماية نفسها، فسيكون قد أدى دوراً وطنياً مهماً، أما إذا بقيت كل أزمة تُرحّل من إجتماع إلى إجتماع، ومن لجنة إلى لجنة، ومن شرط إلى شرط، فإن الإطار نفسه سيصبح جزءاً من المشكلة.
لا أحد يريد الحرب.. لكن لا أحد يريد دولة عاجزة
من الخطأ الإعتقاد أن العراق ذاهب بالضرورة إلى حرب أهلية، الأرجح أن الأطراف جميعاً تعرف حجم الكارثة التي يمكن أن تنتج عن صِدام شامل؛لكن الخطر الحقيقي قد يكون أقل وضوحاً وأكثر خبثاً:
الفوضى المحدودة، إستهداف هنا، تهديد هناك، رسالة أمنية، رد سياسي، مُسيّرة، صاروخ، إحتجاج وتعطيل، ثم تدخل سياسي لإطفاء الأزمة.
وهكذا تبقى الدولة تحت الضغط من دون أن تقع حرب شاملة، وهذا السيناريو، في تقديري، أخطر مما يبدو؛ لأن الدولة قد تُستنزف تدريجياً حتى تصل إلى مرحلة يصبح فيها إتخاذ القرار الأمني والسياسي مُكلفاً جداً.
وماذا عن الأميركيين؟
خروج الأميركيين لا يعني بالضرورة خروج النفوذ الأميركي؛ وهذه نقطة يجب ألا يغفل عنها أحد، القوات يمكن أن تغادر، لكن العلاقات الأمنية والإقتصادية والسياسية تبقى.
وبالمقابل، فإن إنتهاء الوجود العسكري الأميركي لا يعني إنتهاء النفوذ الإيراني، ولهذا فإن السؤال الحقيقي بعد 30 أيلول لن يكون:
أميركا أم إيران؟ بل: هل يستطيع العراق أن يكون عراقاً؟ فالعراق الذي يخرج الأميركي منه ثم يدخل في مواجهة مع إيران لن يكون قد حقق سيادته، والعراق الذي يبقى فيه السلاح خارج مؤسسات الدولة بحجة مواجهة أميركا لن يكون قد حقق سيادته أيضاً.
السيادة الحقيقية هي أن يكون القرار العراقي عراقياً، وهذا لا يتحقق فقط بخروج الجندي الأميركي، بل بخروج كل قرار عسكري من خارج مؤسسات الدولة.
التيار الصدري.. لماذا تتحرك الكتلة المستقيلة الآن؟
وسط هذه المعركة، يأتي تطور آخر يستحق الإنتباه.
نواب الكتلة الصدرية المستقيلة عقدوا إجتماعاً في بغداد يوم 28 آب بحضور حسن العذاري، وتحدثت التقارير عن نقل توجيهات من السيد مقتدى الصدر ومناقشة أوضاع البلاد والمنطقة.
قد يقول البعض: هؤلاء نواب مستقيلون، فما أهمية إجتماعهم؟ السياسة لا تقاس دائماً بالصفة الدستورية، فالكتلة الصدرية قد تكون مستقيلة من البرلمان، لكن المشروع الصدري ليس بالضرورة مستقيلاً من العراق.
والإجتماعات الدورية، إذا إستمرت، يمكن أن تعني أن التيار يعيد ترتيب أدواته السياسية والتنظيمية، لا أنه عاد إلى العملية السياسية بالفعل، والأهم أن موقف الصدر المعلن سابقاً ربط العودة بجملة ملفات، بينها مكافحة الفساد وإنهاء المحاصصة وحصر السلاح بيد الدولة، وهنا يصبح المشهد أكثر إثارة.
فإذا بقيت قضية السلاح معلقة، وبقيت المحاصصة قائمة، وبقي الفساد ملفاً مفتوحاً، فإن الصدر يستطيع أن يبقى خارج السلطة وفي الوقت نفسه داخل معادلة التأثير، وهذا موقع مريح سياسياً، لا يتحمل مسؤولية الحكومة، ولا يفقد قدرته على التأثير في الشارع، ولذلك لا أقرأ إجتماع الكتلة الصدرية المستقيلة بإعتباره إعلان عودة، بل أقرأه بإعتباره إعادة تشغيل لمحرك سياسي بقي في وضع الإستعداد.
ماذا لو وافقت الحكومة على شروط الفصائل؟
هنا يجب أن نكون دقيقين، إذا وافقت الحكومة على شروط تتعلق بضمانات قانونية، وتنظيم أوضاع المقاتلين، ومستقبل المؤسسات الأمنية، فهذا يمكن أن يكون جزءاً من تسوية وطنية، لكن إذا وافقت على شروط تجعل للفصائل حق النقض على قرار الدولة، فستكون قد صنعت سابقة خطيرة.
لأن السؤال غداً سيكون: إذا إستطاع فصيل مسلح أن يضع شروطاً على الدولة اليوم، فمن يمنع فصيلاً آخر من وضع شروط مختلفة غداً؟وعندها لن تكون لدينا دولة ذات قرار واحد وسنكون أمام دولة تفاوض مراكز القوة داخلها على حدود سلطتها، وهذه أخطر نتيجة يمكن أن يصل إليها العراق.
الحل ليس نزع السلاح بالقوة؛ مع ذلك، الحل ليس أن تستيقظ الحكومة صباح الأول من تشرين الأول وتقرر الذهاب إلى مواجهة عسكرية مع الجميع، فهذا إنتحار سياسي وأمني، والحل في رأيي هو صيغة عراقية متدرجة وواضحة:
♦️سلاح الدولة أولاً.
♦️ثم تنظيم وضع الفصائل قانونياً.
♦️ثم تحديد من يدخل ضمن المؤسسات الرسمية ومن لا يدخل.
♦️ثم منع أي تشكيل مسلح من إمتلاك قرار عسكري مستقل.
♦️ثم وضع جدول زمني واضح للأسلحة التي لا يمكن أن تبقى خارج المؤسسة العسكرية.
♦️وبالتوازي، ضمان أن لا يتحول العراق إلى ساحة مفتوحة لأي طرف إقليمي أو دولي.
هذه هي التسوية التي يمكن أن تنقذ الجميع.
العراق أمام إمتحان تأريخي؛ ربما يكون 30 أيلول أهم سياسياً مما يبدو، ليس لأنه موعد خروج الأميركيين فقط، بل لأنه سيكشف شيئاً آخر:
هل العراق قادر على إدارة نفسه عندما يتراجع العامل الخارجي؟ إذا نجحت بغداد في تحويل الإنسحاب إلى فرصة لإعادة بناء منظومة الأمن الوطني، فسيكون 30 أيلول بداية مرحلة جديدة.
أما إذا خرج الأميركي وبقي السلاح المتعدد، وبقي القرار موزعاً، وبقيت القوى السياسية تتعامل مع الدولة بإعتبارها طرفاً بين أطراف، فإن المشكلة لم تُحل، وتغير فقط عنوانها.
ولهذا فإن المعركة المقبلة ليست بين أميركا والفصائل، وليست بين الحكومة والفصائل، وليست حتى بين الإطار والتيار الصدري، المعركة الأعمق هي بين منطق الدولة ومنطق مراكز القوة، ومن سينتصر في هذه المعركة سيحدد شكل العراق لسنوات طويلة.
فإذا كان السلاح للدولة، والقرار للدولة، والقانون فوق الجميع، فإن خروج الأميركيين يمكن أن يكون فرصة تأريخية لإستعادة السيادة، أما إذا خرج الأميركيون وبقي السؤال نفسه معلقاً: من يملك القرار؟ فإن العراق سيكون قد خرج من مرحلة الإحتلال أو التحالف، لكنه لم يدخل بعد إلى مرحلة الدولة، وهنا تكمن الخطورة.
فالعراق لا يحتاج بعد 30 أيلول إلى من يحكمه أكثر، بل إلى دولة تستطيع أن تحكم نفسها.
الكاتب والباحث بالشأن السياسي أثير الشرع




