من كارتر الى ترامب الم يحن الوقت للاعتراف ورفع الراية البيضاء مع طهران؟!
الكاتب والباحث الاكاديمي صلاح الاركوازي ||

نعم انها أي أمريكا لاترفع الراية البيضاء المتعارف عنها كرمز للأستسلام بل تناور وتتلاعب بالمصطلحات ولكن بالمحصلة االنهائية ، لقد استسلمت أمريكا ورفعت الرايةالبيضاء لكن من وراء الجدار
ان المتابع للسياسة الامريكية ولا سيما بعد الحرب العالمية الثانية حيث خاضت امريكا او بالاحرى اعتدت امريكا على العديد من الدول وفي جميع هذه الاعتداءات والحروب خرجت خاسرت ودفعت ثمنا غاليا ورفعت الرايت البيضاء ولكن ليس كلراية البيضاء التي نراها في الافلام والتي هي عبارة عن قطعة من القماش الابيض بل رفعت الراي البيضاء على طريقتها طريقتها طريفة ( الخاسر المنتصر) و حيث انها تمتلك وسائل الاعلام والامكانات ولديها الكثير من الابواق وتتحكم بكبريات شركات الاعلام فتصور للقارئ او للمشاهد بان امريكا خرجت منتصرة من فيتنام وخرجت منتصرة من افغانستان وخرجت منتصرة من العراق ومن جنوب لبنان ولكن الحقائق كلها تشير الى عكس ذلك بل توسلت امريكا هذه الدول ان توقف الحرب معها وفي الخفاء تقدم جميع انواع التنازلات والمغريات ولكن في الظاهر تكون صليطه وطويله اللسان.
إن طرح سؤال “رفع الراية البيضاء” يحرف فهم العقيدة الاستراتيجية الأمريكية؛ فواشنطن لا ترتضي منطق الإذعان أو الاستسلام الصريح، بل تُجبر عندما تدرك اختلال التوازنات على الانعطاف وتغيير المسار نحو التفاوض البراغماتي.
يقدم التناظر التاريخي بين حقبتي جيمي كارتر ودونالد ترامب درساً بالغة الأهمية حول قيود القوة وأوهام الحسم في السياسة الخارجية الأمريكية.
تتكرر في الأدبيات السياسية المقارنة بين الرئيسين باعتبار كل منهما ممثلاً للحظة فارقة في السياسة الخارجية الاستراتيجية للولايات المتحدة. ورغم اختلاف النهج بين “مثالية” كارتر القائمة على حقوق الإنسان ومبدأ الحظر، و“واقعية” ترامب الناهجة شعار “أمريكا أولاً“، إلا أن التجارب أثبتت أن العقبات الجيوسياسية ذاتها تعود لتكرار نفسها عندما تتجاهل الإدارات المتعاقبة دروس التاريخ.
نقاط التماس والدروس الغائبة:
1 – فخ الأزمات الممتدة: سقط جيمي كارتر في فخ “أزمة الرهائن في إيران” (1979) التي تحولت إلى رمز لعجز واشنطن عن حسم الصراع أو الخروج منه دون خسائر سياسية واقتصادية فادحة. وعلى المنوال نفسه، يواجه ترامب اختبارات مستمرة في إدارة الصراعات الشرق أوسطية والإقليمية، حيث ينقلب السعي وراء نصر خاطف إلى تورط في أزمات استنزافية تصيب الرأي العام بالإحباط.
2 – ارتدادات الاقتصاد على القرار السياسي: تسببت أزمات الطاقة والتضخم خلال عهد كارتر في تآكل شعبيته وإخفاقه الانتخابي. واليوم، تظل تقلبات أسواق النفط والضغوط التضخمية السلاح الأبرز الذي يهدد أي استراتيجية خارجية لترامب إذا ما انعكست تكاليف المغامرات السياسية مباشرة على جيب المواطن الأمريكي.
3 – معضلة الشرعية والقانون الدولي: واجهت خطط ترامب للشرق الأوسط انتقادات واسعة — حتى من قبل كارتر نفسه — لكونها تتجاهل الأطر الدولية والقوانين المعتمدة. إن الالتفاف على التوافق الدولي قد يحقق مكاسب مرحلية، لكنه يضعف من استدامة النفوذ الأمريكي على المدى الطويل.
4 – الانطباع بالعجز في المخيال العام: لا يقيم الناخب الأمريكي تفاصيل الدبلوماسية المعقدة، بل يحكم بناءً على الانطباع العام: هل تمتلك الإدارة زمام المبادرة أم أنها أسرى للحدث؟ تكرار العجز عن إنهاء النزاعات في وقت قياسي يعيد رسم المشهد بملامح شائكة تشبه التخبط الذي وسم أواخر عهد كارتر.
يبقى السؤال قائماً حول ما إذا كانت واشنطن قادرة على استيعاب هذه الإشارات وإدراك أن الحسم الخارجي يقتضي توازناً دقيقاً بين المصلحة الوطنية والأطر الدولية والتكاليف الاقتصادية الداعمة لها.
اي يمكننا هنا القول من إنه تجسد المقارنة الاستراتيجية بين حقبتي جيمي كارتر ودونالد ترامب درساً قاسياً حول حدود القوة العسكرية الإقليمية، وتكشف كيف تتحول المغامرات الاستراتيجية غير المحسوبة إلى مصيدة سياسية تُفقد الإدارات المتعاقبة زمام المبادرة.
تتشابه اللحظتان التاريخيتان بشكل لافت؛ فعلى الرغم من الاختلاف الظاهري بين “مثالية” كارتر القائمة على الدبلوماسية والتراجع الميداني، و“واقعية” ترامب الناهجة للحسم السريع واستعراض القوة، إلا أن النتيجة الجيوسياسية تكاد تكون واحدة: التعثر أمام استراتيجيات الصبر والحروب غير المباشرة.
محاور العبرة والدروس الغائبة:
1 – فخ العجز والاستنزاف: سقط جيمي كارتر عام 1979 في فخ أزمة الرهائن في إيران، والتي حولت القوة الأمريكية العظمى إلى كيان مكبل عاجز عن الحسم السريع، وهو ما أدى لانتكاسة استراتيجية في هيبتها الاقليمية. اليوم، يجد ترامب نفسه في مواجهة الاختبار ذاته؛ حيث ينقلب الرهان على الضربات السريعة إلى حرب استنزاف طاحنة ومفتوحة تستهلك الرصيد السياسي للإدارة.
2 – الانعكاسات الاقتصادية والانتخابية: أدت أزمات التضخم واضطراب أسواق الطاقة خلال عهد كارتر إلى تعميق أزمته الداخلية والإطاحة به في انتخابات 1980. وفي المشهد الحالي، تعود تقلبات أسواق النفط العالمية والضغوط الاقتصادية لتشكل العبء الأكبر الذي يهدد استقرار الداخل الأمريكي ويؤثر مباشرة على نتائج الانتخابات النصفيّة والمرجعية الشعبية.
3 – أوهام الحسم التكنولوجي والعسكري: أثبتت التجربتان أن التفوق العسكري الكلاسيكي واستخدام السلاح الجوي لا يستطيعان حسم الصراعات المعقدة أو فرض واقع سياسي مستدام دون وجود رؤية استراتيجية واضحة للخطوة التالية.
4 – تآكل الشرعية الدولية: أظهرت السياسات الأحادية والتجاهل المتكرر للأطر والقوانين الدولية ضعفاً في دعم الحلفاء التقليديين وتراجعاً في قدرة واشنطن على فرض إرادتها الاستراتيجية بعيدة المدى.
تظل الخاطرة المحورية في هذا الصراع هي أن الاستهانة بخصم يمارس “الصبر الاستراتيجي” وإدارة النزاعات بنهج الصدمات الخاطفة غالباً ما تنتهي بإغراق القيادة السياسية في مستنقع طويل الأمد، ما لم تُستوعب دروس التاريخ جيداً.
إن أزمة السياسة الخارجية الأمريكية الممتدة من عهد جيمي كارتر إلى دونالد ترامب تعود بالأساس إلى التغاضي عن طبيعة حروب الاستنزاف والاستهانة باستراتيجية “الصبر الجيوسياسي” التي تنتهجها القوى الإقليمية.
تتجلى أبعاد هذا التحليل في المحاور الاستراتيجية التالية:
1 – وهم الحسم التكنولوجي والجوي: يعتمد السلوك العسكري الأمريكي غالباً على تفوق الطيران والضربات الدقيقة الخاطفة لتحقيق أهداف سياسية سريعة؛ غير أن الواقع الميداني يثبت دائماً أن التفوق الجوي وحده لا يستطيع حسم معارك سياسية معقدة أو تغيير بيئات إقليمية ممتدة.
2 – فخ الاستنزاف وصناديق الاقتراع: كشفت أزمة الرهائن في إيران عام 1979 عجز إدارة كارتر عن فرض إرادتها بسرعة، مما ضرب هيبتها السياسية وأدى إلى سقوطها انتخابياً أمام رونالد ريغان. وبالمثل، فإن الدخول في مواجهات مفتوحة يعيد تعريض واشنطن لفخ الاستنزاف البطء، حيث يتحول عدم التحقيق الفوري للإنهاء إلى رمز لانسداد الآفاق السياسية وتآكل الشعبيات الانتخابية.
3 – الارتداد الإستراتيجي للاقتصاد: ترتبط الحروب والمغامرات الخارجية بأسواق الطاقة العالمية ومعدلات التضخم. وكما ضربت أزمة النفط اقتصاد عهد كارتر، تعود تكاليف الصراعات والتقلبات النفطية لتؤثر مباشرة على المواطن الأمريكي، مما يضعف الجبهة الداخلية للسياسة الخارجية.
4 – سقوط منطق العقوبات الأحادية: تبين التجارب المتعاقبة أن نهج الضغوط القصوى أو العقوبات الاقتصادية الشاملة قد يرهق الخصوم، لكنه نادراً ما يدفعهم للاستسلام، بل يشجعهم على تطوير ميكانزمات للتكيف والتفاف حلفاء إقليميين ودوليين.
تثبت الصراعات الممتدة أن استخدام القوة الصلبة دون رؤية سياسية مستدامة يترك واشنطن عالقة في دائرة تكرار الأخطاء الجيوسياسية ذاتها بين كل إدارة وأخرى.
تثبت التحركات العسكرية المتكررة اعتماد الإدارات الأمريكية على التفوق الجوي كحل أولي، بينما تُظهر المعطيات الميدانية استمرار الانفصال بين نجاح الضربات التكتيكية وتحقيق الحسم الاستراتيجي.
تتكرر النمطية ذاتها في طريقة التعامل الأمريكية مع الصراعات الممتدة؛ حيث يستمر الرهان على القوة الجوية لاستعراض الردع، دون تقديم حلول سياسية جذرية للأزمات الهيكلية:
1 – الفصل بين التفوق التكتيكي والحسم السياسي: تظل الهجمات الجوية القادرة على تدمير البنى التحتية أو إضعاف القدرات العسكرية للخصوم عاجزة بمفردها عن تغيير قناعات الطرف الآخر أو إرغامه على الاستسلام، مما يحول السلاح الجوي إلى أدوات للتأجيل بدلاً من الحسم.
2 – إعادة إنتاج فخ الاستنزاف: يعتمد الخصوم الإقليميون في الغالب على “الصبر الاستراتيجي” وشبكات القوة غير المتماثلة (كالمسيّرات والدفاعات الموزعة)، وهو ما يفرغ الضربات المركزية من تأثيرها النهائي ويستنزف المخزون السياسي والاقتصادي لواشنطن وحلفائها.
3 – أولوية حسابات الداخل الأمريكي: محاولة تجنب “التورط البري” تدفع الإدارات المتعاقبة لاستخدام سلاح الطيران كخيار أقل تكلفة بشرية وسياسياً أمام الناخبين، لكن هذا الخيار يطيل أمد الصراع ويفتح أبواب الجبهات المفتوحة التي طالما حاول الرؤساء تجنبها.
تظهر التجارب المتعاقبة أن التفوق التكنولوجي والجوي وحده لا يغني عن وجود استراتيجية سياسية متكاملة تلتقط دروس التاريخ وتدرك حدود القوة العسكرية في صياغة المعادلة الجيوسياسية.
والسؤال الجوهري ومحور مقالتنا هذا هو :
الم يحن الاوان والوقت لترامب ان يرفع الراية البيضاء مع طهران ؟
إن طرح سؤال “رفع الراية البيضاء” يحرف فهم العقيدة الاستراتيجية الأمريكية؛ فواشنطن لا ترتضي منطق الإذعان أو الاستسلام الصريح، بل تُجبر عندما تدرك اختلال التوازنات على الانعطاف وتغيير المسار نحو التفاوض البراغماتي.
في معايير القوى العظمى، لا ترتفع الراية البيضاء بشعارها التقليدي، وإنما تترجم عبر تحولات تكتيكية تهدف لوقف النزيف وإعادة إدارة الصراع بأقل التكاليف. ويمكن قراءة هذا التحول في المنهجية الأمريكية تجاه طهران وفق المحددات التالية:
1 – التحول من الضغط الأقصى إلى خفض التصعيد: عندما تلامس نتائج الخيار العسكري والضغط الاقتصادي حدود الحائط المسدود دون إسقاط الخصم، تتجه الإدارات متعاقبةً—من مطالبات كارتر التوفيقية وصولاً للتسويات الجزئية والهدن الميدانية لدى ترامب—إلى استبدال خيار الحسم بخيارات احتواء الصراع وتجنب المواجهة المباشرة المفتوحة.
2 – فرض معطيات الميدان وتكلفة الاستمرار: تدرك واشنطن أن خوض صراع ط طويل الأمد ينعكس سلباً على الأمن الإقليمي، وحركة الملاحة وسلاسل الإمداد العالمية في الممرات المائية الحيوية، وأسعار الطاقة، مما يحول الاستمرار في المواجهة إلى عبء اقتصادي وسياسي كلفة أضخم من القبول بالتفاوض.
3 – حدود الردع والتفوق التكنولوجي: أثبتت التجربة الميدانية أن الاعتماد المطلق على التفوق الجوي أو العقوبات المفروضة يظل غير قادر على إلغاء خيارات القوة غير المتماثلة واستراتيجيات “الصبر الاستراتيجي” للطرف الآخر.
4 – صياغة التراجعات تحت مسمى “الصفقات“: تُفضّل الإدارات الأمريكية صياغة التراجعات التكتيكية في قالب “تسويات ودبلوماسية القوة“، حيث يتم استبدال أهداف التغيير الشامل بأهداف محددة تتعلق بالأمن الإقليمي أو ملفات الطاقة والحد من التصعيد.
لا تعني هذه التحولات اعترافاً هزيمياً بالمعنى المباشر، بل تأكيداً على أن الاستراتيجيات التي تتجاهل منطق التاريخ والجغرافيا تُجبر الإدارات الأمريكية في نهاية المطاف على تكييف سياساتها للتعامل مع واقع القوى الإقليمية القائمة بدلاً من محاولة إعادة تشكيلها بالقوة القسرية، نعم انها لاترفع الراية البيضار المتعارف عنها كرمز للأستسلام بل تناور وتتلاعب بالمصطلاحات ولكن بالمحصلة االنهائية . لقد استسلمت أمريكا ورفعت الرايةالبيضاء لكن من وراء الجدار.




