الأربعاء - 07 اكتوبر 2026

عباس عراقجي ناقد سينمائي.. بوصلة المواقف..!

الأربعاء - 07 اكتوبر 2026

جليل هاشم البكاء ||

 

 

 

يبدو أن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي قرر هذه المرة أن يترك قاعة الدبلوماسية قليلًا، ويتجه إلى مقعد الناقد السينمائي، وهو يعلّق على الفيلم الأمريكي المتكرر بعنوان العقوبات والضغط الاقتصادي.

عراقجي، في تعليقه على العقوبات الأمريكية الجديدة، لم يتعامل معها باعتبارها حدثًا استثنائيًا أو مفاجأة استراتيجية، بل وضعها في سياق فيلم قديم شاهدت إيران أجزاءه السابقة مرات عديدة. فقد أشار إلى أن أشد العقوبات التي وُصفت يومًا بأنها غير مسبوقة فُرضت قبل سنوات وفشلت، كما فشلت سياسة الضغوط القصوى، وكذلك محاولات فرض الاستسلام غير المشروط. ثم جاءت النسخة الجديدة بعنوان أقسى عملية اقتصادية في التاريخ.

وهنا تكمن براعة عراقجي في صياغة المشهد؛ فهو لا يرد على العقوبات بعقوبة مضادة في الخطاب، ولا يدخل مباشرة في لعبة الأرقام والتهديدات، وإنما يضع ما يحدث أمام المتلقي كأنه مشهد مكرر من فيلم يعرف نهايته مسبقًا.

الفكرة ببساطة: الفيلم نفسه، السيناريو نفسه، لكن الممثلين يتغيرون.

من هذه الزاوية، تبدو العقوبات الأمريكية على إيران أشبه بسلسلة سينمائية طويلة، تتبدل فيها الإدارات والشخصيات والشعارات، بينما تبقى الحبكة الأساسية واحدة: الضغط الاقتصادي، ثم الرهان على انهيار إيران أو تغيير سلوكها، ثم انتظار النتائج.

وهنا يمكن استحضار النسخ السابقة من الفيلم. ففي الولاية الأولى لترامب ظهر مصطلح الضغوط القصوى بوصفه عنوانًا لمرحلة جديدة، واعتقد صانعو السياسة الأمريكية أن تشديد الخناق الاقتصادي سيجبر طهران على تقديم التنازلات المطلوبة. رحل ترامب عن ولايته الأولى، وجاء بايدن، وبقيت إيران. ثم عاد ترامب بنسخة جديدة من الفيلم، مع إعلان أكثر صخبًا وعقوبات أشد، لكن المشاهد الإيراني، وفق قراءة عراقجي، ليس أمام عمل جديد؛ إنه أمام إعادة إنتاج.

ولعل المفارقة الأكثر دلالة أن الفيلم لا يتغير حتى عندما يتغير الممثل الرئيسي في البيت الأبيض.

يأتي وزير خارجية أمريكي، يعلن أن العقوبات ستكون كافية لإجبار إيران على تغيير مسارها، ثم يغادر منصبه. يأتي رئيس أمريكي آخر، ويعيد تشغيل الفيلم بإخراج مختلف، ثم يغادر هو الآخر. وتبقى إيران في المشهد.

وهذا بالضبط ما يجعل عراقجي يبدو وكأنه ناقد سينمائي أكثر منه مجرد وزير خارجية؛ فهو لا يكتفي بمشاهدة المشهد الحالي، بل يفتح أرشيف الأفلام القديمة أمام الجمهور، ويقول له: انتبهوا، لقد شاهدنا هذا من قبل.

إنها طريقة ذكية في قلب السؤال. بدل أن يكون السؤال: هل ستنجح العقوبات الأمريكية هذه المرة؟ يصبح السؤال: كم مرة يجب إعادة الفيلم نفسه قبل الاعتراف بأن المشكلة ليست في المتلقي، وإنما في السيناريو؟

والأكثر ذكاءً أن عراقجي لا يقول إن العقوبات بلا أثر أو إن إيران لا تواجه ضغوطًا اقتصادية حقيقية، وإنما يركز على الفارق بين إيلام الخصم وبين تحقيق الهدف السياسي. فقد تستطيع العقوبات إحداث أضرار اقتصادية، ورفع كلفة الحياة، وتضييق حركة التجارة والاستثمار، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنها تحقق الغاية السياسية التي وضعت من أجلها.

وهنا يظهر الفرق بين العقوبة والانتصار.

قد تنجح العقوبات في الضغط، لكنها لا تنجح بالضرورة في إخضاع الطرف الآخر. وقد تؤدي إلى إنهاك اقتصادي، لكنها لا تنتج تلقائيًا الاستسلام السياسي.

ولهذا فإن عبارة شاهدنا هذا الفيلم من قبل تحمل أكثر من معنى. إنها ليست مجرد سخرية من السياسة الأمريكية، بل محاولة لإعادة تعريف المشهد كله. فواشنطن تقدم العقوبات باعتبارها أداة جديدة وحاسمة، بينما تقدمها طهران باعتبارها حلقة جديدة في مسلسل قديم.

والسينما هنا ليست مجرد استعارة جميلة؛ إنها وسيلة سياسية ذكية. فالمشاهد الذي يعرف نهاية الفيلم لا يتعامل مع الإعلان الدعائي الجديد بالدهشة نفسها التي يتعامل بها من يشاهده للمرة الأولى.

ربما لهذا السبب اختار عراقجي لغة الفيلم بدل لغة البيانات الدبلوماسية التقليدية. فالفيلم يسمح له بأن يضع العقود الماضية كلها في مشهد واحد: إدارة أمريكية تأتي، ترفع سقف العقوبات، تتحدث عن أقصى ضغط، تراهن على الانهيار، ثم تتغير الإدارة ويستمر المسار، بينما تبقى الجمهورية الإسلامية قادرة على الاستمرار، حتى لو دفعت ثمنًا اقتصاديًا وسياسيًا كبيرًا.

وفي النهاية، يصبح السؤال الذي يطرحه عراقجي ضمنيًا أكثر إحراجًا من العقوبات نفسها: إذا كان الفيلم قد عُرض مرات عديدة، وإذا كانت الشخصيات تتغير بينما تبقى النتيجة بعيدة عن الهدف المعلن، فهل المشكلة في إيران التي لم تستسلم، أم في واشنطن التي ما زالت تعيد إنتاج الفيلم ذاته؟

ربما يكون عباس عراقجي قد اختصر المشهد كله بجملة سينمائية واحدة: الفيلم قديم، والجزء الجديد ليس جديدًا إلا في أسماء الممثلين.

والناقد الجيد لا يحكم على الفيلم من ملصقه الدعائي، بل من أجزائه السابقة، ومن نهاياتها.

وفي حالة الفيلم الأمريكي الإيراني، يبدو أن الجمهور الإيراني، على الأقل وفق رواية عراقجي، حفظ القصة عن ظهر قلب.