الثلاثاء - 18 اغسطس 2026

العمالة الأجنبية: حين يغيب التخطيط..!

منذ 57 دقيقة
الثلاثاء - 18 اغسطس 2026

طه حسن الأركوازي

 

 

 

ليست مُشكلة العراق في وجود العمالة الأجنبية بحد ذاتها ، فالدول التي تنمو أقتصادياً تحتاج إلى أستقدام خبرات وأيدٍ عاملة في قطاعات مُحددة ، لكن المُشكلة تبدأ حين تتحول العمالة الوافدة من حاجة أقتصادية محسوبة إلى سوق مفتوحة بلا تخطيط ، ولا بيانات دقيقة ، ولا رقابة فعالة ، ولا رؤية تربط بين حاجات الاقتصاد وفرص العمل المتاحة للعراقيين .

العراق ، الذي يُعاني أصلاً من أرتفاع مُعدلات البطالة ، ولا سيما بين الشباب والخريجين لايستطيع أن يتعامل مع هذا الملف بمنطق الفوضى أو ردود الأفعال ، فوجود أعداد كبيرة من العُمال الأجانب بينهم من يدخل أو يعمل خارج الأُطر القانونية ، يعني عملياً نشوء سوق عمل مُوازية يصعب على الدولة ضبطها ، ويصبح فيها العامل العراقي أمام مُنافسة غير مُتكافئة مع عامل قد يقبل بأجور أقل وساعات عمل أطول وظروف معيشية أكثر صعوبة .
وتزداد خطورة الظاهرة عندما تتحول إلى نشاط تستفيد منه شبكات التهريب أو مكاتب الاستخدام غير المُنضبطة أو حين يجري أستقدام العمالة من دون حاجة أقتصادية حقيقية ، فالمُسألة عندها لا تتعلق بالبطالة وحدها ، وإنما تمتد إلى الإقامة غير القانونية ، والتحويلات المالية إلى الخارج ، والتهرب من الرسوم والضرائب ، وأحتمالات أستغلال بعض الوافدين من قبل دوائر مخابراتية جاره أو أقليمية أو جهات إرهابية أو شبكات الجريمة المُنظمة ، فضلاً عن صعوبة أمتلاك بيانات دقيقة عن أماكن عملهم ومسؤوليات الجهات المُشغلة لهم ، ولهذا فإن تطبيق قوانين العمل والإقامة ليس إجراءً بيروقراطياً ، بل جُزء من حماية الدولة لسوق العمل وأمنها الاقتصادي والاجتماعي .
كما أن إلزام الشركات بتشغيل نسبة من العراقيين يجب ألا يبقى نصاً قانونياً على الورق ، وإنما يتحول إلى شرط فعلي في العقود والاستثمارات والمشاريع ، مع رقابة إلكترونية تربط وزارات العمل والداخلية والجهات الأمنية والضرائب والمنافذ الحدودية ضمن قاعدة بيانات متكاملة .
والأهم أن العراق لا يحتاج إلى سياسة تقوم على طرد العمالة الأجنبية بصورة عشوائية ، كما لا يحتاج إلى تركها بلا ضوابط .
المطلوب هو عمالة أجنبية مُؤقتة ، مُرخصة ، ومحددة التخصص والمدة ، ومُرتبطة بحاجة أقتصادية واضحة ، مع إعطاء الأولوية للعراقي متى توافرت لديه الكفاءة .
وتقدم تجارب عدد من الدول الآسيوية دروساً مهمة للعراق ، إذ ربطت أستقدام العمالة الأجنبية بحاجة الاقتصاد الفعلية ، ووضعت حُصصاً وتصاريح وضوابط واضحة ، بالتوازي مع الاستثمار في تدريب وتأهيل مواطنيها ، والدرس الأهم أن العمالة الوافدة يمكن أن تكون رافداً للاقتصاد ، لكنها تتحول إلى عبء عندما تغيب الدولة عن التخطيط والرقابة ، ويصبح العامل الأجنبي بديلاً عن المواطن بدلاً من أن يكون مكملاً له .
العراق يمتلك ما لا تمتلكه دول كثيرة :
الموارد ، والسوق ، والموقع ، والطاقات البشرية لكن سوء الإدارة ، وغياب التخطيط ، جعلا هذه المزايا تتحول أحياناً إلى عبء ، ولذلك فإن مُعالجة ملف العمالة الأجنبية يجب أن تكون جُزءاً من إصلاح أقتصادي أوسع ، يبدأ بإعادة تنظيم سوق العمل ، ودعم القطاع الخاص الوطني ، وربط التعليم بأحتياجات السوق ، وتطوير التدريب المهني ، ومُكافحة الفساد والوساطة في منح إجازات العمل والاستقدام .

أخيراً وليس آخراً … إن العمالة الأجنبية ليست «قنبلة موقوتة» لأن الأجنبي خطر ، وإنما تصبح كذلك عندما تكون الدولة غائبة عن تنظيمها .
والخطر الحقيقي ليس في العامل الذي يدخل بصورة قانونية ويؤدي عملاً يحتاجه الاقتصاد ، بل في غياب المنظومة التي تعرف من يعمل على أرضها ، ولماذا استُقدم ، وأين يعمل ، ومن يتحمل مسؤوليته القانونية ، وكيف تتم حركة دخوله وخروجه ، وهنا تقع مسؤولية الحكومة والطبقة السياسية في الانتقال من إدارة سوق العمل بالقرارات المُؤقتة إلى سياسة وطنية واضحة تحمي فُرصة العراقي ، وتنظم حاجة الاقتصاد ، وتغلق أبواب التهريب والفساد ، وتبني دولة تعرف كيف تستفيد من الوافد من دون أن تجعل شبابها غرباء في سوق عمل وطنهم .
فحماية فرصة العراقي في وطنه ليست شعاراً ، وتنظيم العمالة الأجنبية ليس موقفاً ضد الأجنبي ، إنما هو مسؤولية دولة ، وتخطيط أقتصادي ، وعدالة في سوق العمل .
الدولة التي لا تخطط لسوق العمل اليوم قد تدفع غداً ثمناً اجتماعياً وأقتصادياً وأمنياً أكبر بكثير من كلفة الإصلاح الآن …!