حذف الأصفار، ومصير التريليونات الضائعة..!
الكاتب والباحث بالشأن السياسي أثير الشرع ||

في العراق، لا تكمن المشكلة دائماً في حجم الأموال التي تدخل خزينة الدولة، بقدر ما تكمن في السؤال الأخطر: أين تذهب هذه الأموال بعد دخولها في الدورة المالية؟ فخلال السنوات الماضية، تعاقبت الموازنات والحكومات، وتحدثت جهات سياسية ونيابية ورقابية عن أموال كبيرة يصعب تتبع مساراتها، فيما برزت في الفترة الأخيرة أرقام تتراوح بين 8 و10 تريليونات دينار يجري الحديث عنها بإعتبارها أموالاً خارج الدورة النقدية أو مبالغ لم تتضح بصورة كافية مساراتها ومصائرها.
وهنا يظهر سؤال مشروع أمام الدولة والمواطن: إذا كان الحديث عن أموال بهذه الضخامة صحيحاً، فأين ذهبت؟ ومن يمتلكها؟ وكيف خرجت من الدورة المصرفية؟ وهل يمكن إستعادتها أو معرفة أصحابها؟
في الوقت نفسه، عاد إلى الواجهة مشروع حذف الأصفار من الدينار العراقي وإصدار أو إستبدال العملة تدريجياً، وهذا الموضوع ليس جديداً؛ فالبنك المركزي العراقي سبق أن أعلن أن هيكلة العملة وحذف الأصفار تحتاج إلى تشريع من مجلس النواب، فيما يمتلك البنك المركزي قانوناً يخولّه إصدار وإدارة العملة، لكن هنا تبرز فرصة يجب ألا تضيع.
إذا قررت الدولة فعلاً تغيير العملة، فيجب ألا يكون الأمر مجرد عملية إستبدال أوراق نقدية بأوراق جديدة، وإنما مناسبة لإعادة تنظيم الدورة النقدية بالكامل، فإستبدال العملة يعني عملياً أن الأموال النقدية الموجودة لدى المواطنين والشركات والمؤسسات ستحتاج إلى المرور عبر قنوات محددة خلال فترة زمنية معلنة.
إذا وضعت الدولة ضوابط واضحة على الإيداعات الكبيرة، وطلبت إثبات مصادر الأموال وفق قوانين مكافحة غسل الأموال، فإن عملية إستبدال العملة يمكن أن توفر قاعدة معلومات مهمة عن حجم النقد الموجود خارج الجهاز المصرفي، ومصادره، والجهات التي تملكه، وهنا يمكن أن يتحول حذف الأصفار من مجرد إجراء نقدي إلى فرصة رقابية وإقتصادية، لكن يجب الإنتباه إلى مسألة جوهرية وهي أن حذف الأصفار بحد ذاته لا يعيد الأموال المفقودة ولا يكشف تلقائياً الأموال المسروقة، فإذا كان هناك مبلغ خارج النظام المصرفي، فإن معرفة صاحبه ومصدره تحتاج إلى سجلات مصرفية، وتدقيق مالي، وتتبع للتحويلات والعقود والمشاريع الحكومية، فضلاً عن إجراءات قانونية وقضائية.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل نحذف الأصفار؟ بل: ماذا سنفعل أثناء حذف الأصفار؟
هل ستستغل الدولة هذه العملية لمراجعة الكتلة النقدية؟ وهل ستضع سقوفاً وضوابط للإيداعات النقدية الكبيرة؟
هل ستطلب إثبات مصدر الأموال؟ وهل ستربط عملية الإستبدال بالنظام المصرفي الإلكتروني؟ وهل ستدقق الحسابات والتحويلات غير الإعتيادية؟ وهل ستفتح ملفات الأموال التي لم يعرف العراقيون حتى الآن أين إنتهت؟
إن العراق لا يحتاج إلى مجرد عملة جديدة، وإنما يحتاج إلى ثقافة مالية جديدة تقوم على الشفافية والتتبع والمساءلة؛ فالمواطن الذي يدفع الضرائب والرسوم، والدولة التي تحصل على مليارات الدولارات من النفط، كلاهما بحاجة إلى معرفة أين تتحرك الأموال داخل الإقتصاد أما إذا جرى تغيير العملة من دون وجود نظام رقابي متكامل، فقد يتحول الأمر إلى مجرد تغيير في شكل الأوراق النقدية، بينما تبقى الأسئلة القديمة معلقة: أين ذهبت الأموال؟ ومن أستفاد منها؟ ولماذا لم تتم محاسبة المسؤولين عن فقدانها أو هدرها؟
إن الحديث عن 8 أو 10 تريليونات دينار يجب ألا يتحول إلى رقم للإستهلاك الإعلامي؛ إذا كان الرقم دقيقاً، فلابد أن تكون هناك جهة رسمية تحدد مصدره، وطبيعته، وما إذا كان يمثل أموالاً مفقودة فعلاً، أم نقداً خارج الجهاز المصرفي، أم فروقات محاسبية أو مالية، الحل يبدأ من الشفافية.
لذلك، إذا مضى العراق في مشروع حذف الأصفار وإصدار عملة جديدة، فإن المطلوب أن يرافقه قرار سياسي وتشريعي واضح بفتح ملف الأموال غير المتتبعة، وربط عملية إستبدال العملة بمنظومة مصرفية ورقابية متطورة؛ عندها فقط يمكن أن تتحول عملية حذف الأصفار من مجرد إصلاح نقدي إلى فرصة تاريخية لتنظيف الدورة المالية العراقية وكشف حقيقة الأموال التي إختفت من الحسابات أو بقيت خارج النظام المصرفي.
أما أن تتغير الأوراق وتبقى الأموال والأسئلة والملفات كما هي، فذلك لن يكون إصلاحاً حقيقياً، العراقي لا يريد أن يعرف فقط كم تساوي العملة الجديدة.. بل يريد أن يعرف أين ذهبت عملته القديمة.
الكاتب والباحث بالشأن السياسي أثير الشرع




