يا مريم.. جينا نركع لأنّنا تهشّمنا.. صلاة الحطام..!
ناجي علي أمهز ||

“بعيدك يا مريم.. شو بدّي قلّك؟
ببلادنا انذبح العيد ع عتبات البيوت، وبطلت الفرحة تندلّ ع أسامينا..
يا عدرا.. بطل في أعياد.
كان العيد “لمّة”.. وكانوا الولاد يركضوا ليتسابقوا مين بيبوس إيد إمّو وبيّو بالأول ليآخد الرضا..
تغيّر كل شي يا ستّنا، وانقلبت الدني..
صاروا الأهل بالأعياد هني اللي بيركضوا ع القبور،
بيلمسوا الرخام البارد، بيبوسوا صور ولادن،
وبيعيّدوهن بدمعة محروقة وصوت مخنوق..
صار العيد عنّا.. جنازة.”
يا مريم…
يا ستّنا وستّ الدني..
يا إمّ الوجع يلي شال يسوع الوجع منا، وجعنا هلق ما عم يخلص..
ويا إمّ الحياة اللي عم تختلج بقلوبنا، رافضة تموت.. رغم كل هالقتل.
اعذرينا يا عذرا..
ما عاد فينا نركّب حكي، ولا نرتّل صلاة “مرتّبة”.
ولا عاد فينا نوقف قدامك وقفة القديسين.. جراحاتنا تقيلة يا إمّي.
نحنا اليوم ما جينا نصلّي.. نحنا جينا ننزف.
جينا نشلح أرواحنا بين إيديكي.. أرواح “ممزقة” ما عاد فيها مطرح لجرح جديد، ولا لمسمار زيادة.
سامحينا يا عدرا..
تيابنا مش بيضا، وريحتنا مش بخور ولا مسك.
ريحتنا بارود.. وعرق.. ودخان.. وموت وغبرة بيوت وقعت فوق غراضها وفوق صحابها.
وجوهنا صفرا يا مريم.. الموت سكن بملامحنا قبل ما يوصل لعضامنا.
جينا لعندك “حطام”.. بقايا انسان.
طلّعي بعيوننا يا ستّنا.. شو شايفة؟
رماد؟ دموع؟ ولا هالشهقة اللي علقت بحناجرنا؟
شهقة خنقت البكي، ويبّست الحكي.
“صحيح” مش راكعين بخشوع القديسين.. نحنا “مرتميين” ع الأرض.
ركبنا انكسرت، وقلوبنا صارت أتقل من صدورنا، لأنّ الخراب صار جبال فوق كتافنا.. وما عاد فينا نحمل.
يا ستّنا.. ما تديري وجّك عنّا.
بعرف إنك رح تزعلي “علينا”.. مش “منّا”.
بعرف إنك عم تطلّي وتقولي: “مش هيدا الإنسان اللي انصلب ابني كرمالو؟”
شوفي يا ستنا مريم.. شوفي كيف الإنسان عم يدعس ع الإنسان.
كيف الأخ عم يهدّ بيت خيّه.. كيف تهنا بغابة ظلم، لنسينا أسامينا.
إيه يا ستّنا.. نحنا خطّائين.
بس وجعنا صار أكبر من خطايانا.. وأمرّ من قدرتنا.. وأصعب من صلبنا.
بطلنا قادرين..
إنتِ اللي لمستِ جرح ابنك وهو عم ينزف ع الصليب..
إنتِ اللي شلتي وجعو بقلبك.. شوفي جروحنا.
جروحنا كبرت يا مريم.. وصارت أوسع من المدى.
يا إمّنا..
بيوتنا صارت مقابر مصفوفة فوق الأرض.
وأطفالنا.. آخ يا ويلي ع أطفالنا..
صاروا يتطلّعوا ع السما بخوف، ويسألوا:
“بابا.. الله بعدو شايفنا؟ مريم بعدها سامعتنا؟”
قولي ليسوع يا مريم..
قولي له إنّ المسامير اللي اندقّت بإيديه ورجليه،
عم تنعاد كل يوم بعيون أمهاتنا.
قولي له إنّ “قانا”.. اللي باركتِ عرسها بيوم من الأيام..
ما عاد فيها عرس.. ولا عاد فيها خمر.. ولا أغاني.
قانا صار ترابها يشرب دم ولادها..
ولاد ماتوا وهني مفكرين إنو صوت الانفجار “رعد”..
وإنّو بعد الرعد رح يشتي المطر ويزهّر الربيع.
يا إمّنا.. نحنا كذابين متكبرين متعجرفين لما نقول “نحنا بخير”.
نحنا مكسورين.. محطّمين.. يتامى ببلادنا، وغربا بين أهلنا، وضايعين جوّات حالنا.
ما جينا نطلب دهب، ولا قصور، ولا معجزات بتهزّ الدني.
جينا نركع بـ “ذلّ” الجوعان للأمان.
بوجع الأب اللي عم يرجف ابنه بين إيديه، وما معه غير حضنه يخبّيه فيه.
بحرقة الإمّ اللي عم تبوس تياب ابنها.. “تياب فاضية”..
بعد ما صار صاحب التياب صورة معلقة ع حيط الصمت.
يا مريم.. بالأعياد، الولاد بيبوسوا إيدين أهلهم.
ببلادي، صاروا الأهل بالأعياد بيبكوا فوق قبور ولادهم.
تغيّر كل شي يا ستّنا..
يا ستنا يلي قتلوا يسوع يا ريتهم عم يقتلونا، عم يصلبونا ويعذبونا وكل ما نجي نموت بيرجعوا بوقفوا الموت عنا وبيرجعوا ييصلبونا وعم بموتوا الموت فينا، عم ينتقموا من الرب يلي خلقنا وحط الروح فينا.
ستنا إنتِ اللي وقفتي بالعتمة حدّ الصليب..
ما عم تشوفي إنّ ليلنا طال؟
طال كتير يا ستّنا.. لدرجة نسينا كيف بكون شكل الفجر.
مش نحنا ولادك؟ مش نحنا اللي بنركض لعندك بس تضيق فينا الدني؟
يا ستّنا.. بطلنا أحياء.
نحنا عم نتنفس “موت”.. ومن كتر الموت، متل ما قلتلك مش عم نموت!
يا عدرا.. يا اللي السيف طعن قلبها..
اسحبي السيف من صدورنا.
نحنا هون.. تحت إجرين تمثالك.
بدنا بس “الرحمة”.
ارحمي رجفة إيدين ختياريتنا..
ارحمي رعب قلوب زغارنا..
ارحمي دمعة أمهاتنا اللي ما بتخلص..
وارحمي لبنان..
هالوطن الصغير اللي عم يلفظ روحه على مذبح الوجع.
إذا إيدك ما لمست روسنا التعبانة.. مين بدو يلمّ شقفنا؟
إذا حضنك ما وسع خوفنا.. وين بدنا نهرب ولعند مين بدنا نروح اذا الروح بطل بدها تضل معنا؟
يا مريم.. صلّي لأجلنا.
مش لأننا قديسين.. صلّي لأننا “تعبنا”.
تعبنا من الحرب.. تعبنا من الخوف.. تعبنا من الوداع.
تعبنا نسأل كل يوم الصبح: “مين بقي.. ومين راح؟”
يا إمّ يسوع.. يا إمّ الوجع والرحمة..
نحنا ولادك المكسورين اللي ما ضلّ بتمّهم كلام.
جينا وما معنا غير دمعنا.. خديه يا ستّنا.. وحطّيه عند يسوع.
وقولي له: “يا ابني.. ولادي تعبوا.. ما عاد فيهم يتحمّلوا.. ارحمهم”.
يا مريم.. وحقّ وجعك.. وحقّ دمعتك تحت الصليب..
خلص.. تعبنا.
تعبنا يا ستّنا..
صلي لأجلنا.




