السبت - 15 اغسطس 2026

بل أحياء.. الشهيد محمد جمعة عبد الصاحب الدراجي..!

منذ 4 أيام
السبت - 15 اغسطس 2026

انتصار الماهود ||

 

 

وطن، علم، أرض، بلد… جميعها كلمات من ثلاثة حروف، لكنها تحمل معانٍ عميقة لا تستوعبها جميع العقول. هناك من يرى الوطن مجرد قطعة أرض يعيش عليها ويغادرها متى يشاء، والعلم مجرد قطعة قماش ترفرف في أوقات معينة، رغم أن الوطن قدم لهم كل شيء، إلا أنهم لا يزالون يتنكرون له، فهو وطني في يوم وعميل في يوم آخر.

وهناك فئة أخرى من الرجال نعجز ان نتحدث عنهم فلا يمكن اختصار حكاياتهم بكلمات، لأنهم رأوا الوطن روحاً وجذوراً زرعها الآباء والأجداد. رجال ارتدوا الزي العسكري بدل الأكفان، وحملوا السلاح ليحاربوا الإرهاب ويتصدوا له، ورغم أن الوطن لم يمنحهم شيئا، منحوه كل شيء. ومن هؤلاء الشهيد محمد.

ولد الشهيد السعيد محمد جمعة عبد الصاحب الدراجي في حي الجزائر بمنطقة الشعب في بغداد عام 1993، وهو سليل قبيلة عراقية عريقة تعود أصولها إلى (آل چالي). عاش طفولته وشبابه في منطقة الشعب، وكان له سبعة إخوة وثلاث شقيقات. تربى في بيئة محافظة محبة لآل محمد، تتنفس القضية الحسينية عشقاً وتسير على نهج سيد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام، فكان حب الحسين عليه السلام متجذراً وفطرياً في قلبه.

لم يحالفه الحظ كثيرا في الدراسة، فانخرط مبكرا في سوق العمل، وعمل في مجال البناء. وكغيره من أبناء جيله، عاش مرحلة مراهقة وشباب وسط تحولات قاسية، بدأت بسقوط نظام البعث، ثم الاحتلال الأمريكي، والفتنة الطائفية، وصعود تنظيم القاعدة وصولا إلى داعش.

كانت تلك التحولات تترك آثارها العميقة في نفوس الشباب، لكنها دفعت الكثير منهم إلى التمسك أكثر بهويتهم الوطنية والعقائدية، ومن بينهم محمد، الذي التحق عام 2014 بصفوف المقاومة الإسلامية عصائب أهل الحق، تلبية لنداء المرجعية الدينية العليا بعد صدور فتوى الجهاد الكفائي للدفاع عن العراق ومواجهة العصابات الإرهابية.

خاض محمد معارك شرسة في قاطع عمليات صلاح الدين، ومنها بيجي والصينية والكرمة ويثرب وأبو عجيل وتكريت، وكان آنذاك تحت إمرة الحاج أبو زهراء. وفي معركة الحراريات في بيجي، خاض محمد آخر معاركه، في واحدة من أصعب المناطق التي واجه فيها المقاتلون عناصر تنظيم داعش.

كانت طبيعة بيجي الجغرافية عاملاً صعباً في المعارك، إذ استغل عناصر التنظيم الأبنية والبساتين مواقع للقنص والتفخيخ، مما دفع قوات الحشد الشعبي والقوات الأمنية إلى اعتماد حرب الشوارع والتطهير الراجِل، منزل تلو منزل وبستانا بعد آخر، حتى تحرير المناطق من عناصر التنظيم.

وفي 19 تشرين الأول عام 2015، كانت معركة الحراريات آخر معارك محمد. هناك وقف مدافعا عن أرضه وعرضه، وأثبت أنه وطني بالفعل لا بالقول، وأن حب الوطن ليس شعارا يرفع، بل موقف وتضحية وثبات.

هنا، على أرض بيجي، ارتقى محمد شهيدا، تاركا خلفه سيرة رجل حمل الوطن في قلبه، وحمل سلاحه دفاعا عنه، ومضى في طريقه حتى النهاية.

فسلام على محمد يوم ولد، وسلام عليه يوم حمل السلاح دفاعا عن العراق، وسلام عليه يوم ارتقى شهيدا، وسلام عليه يوم يبعث حياً.