الأربعاء - 07 اكتوبر 2026
الأربعاء - 07 اكتوبر 2026

جليل هاشم البكاء ||

 

 

 

حين تتحول القواعد العسكرية من أدوات للهيمنة إلى نقاط ضعف …

ليست كل جغرافيا واسعة دليلًا على القوة، وليست كل قاعدة عسكرية خارج الحدود تعني امتلاك الأرض أو التحكم بمصيرها. ففي عالم السياسة والجغرافيا الاستراتيجية، هناك فرق شاسع بين الانتشار والسيطرة، وبين امتلاك القوة وامتلاك القدرة على استخدامها دون أن تتحول أدواتها إلى نقاط ضعف.

ومن هنا يمكن قراءة المشروع الأمريكي في الهيمنة العالمية من زاوية مختلفة: جغرافيا النفوذ الهشّة.

إنها جغرافيا تبدو على الخريطة واسعة ومترامية الأطراف، تنتشر فيها القواعد العسكرية والمطارات والأساطيل ومراكز القيادة، لكنها في الحقيقة تعتمد على دول أخرى، وعلى أنظمة سياسية متفاوتة في قوتها واستقرارها، وعلى ترتيبات أمنية يمكن أن تتغير عندما تتغير موازين القوى.

فالولايات المتحدة تمتلك شبكة عسكرية هائلة حول العالم، ويحتل الشرق الأوسط موقعًا متقدمًا فيها. قواعد في دول الخليج والعراق وسوريا والأردن، إلى جانب الأساطيل والقوات الجوية وشبكات الإمداد، تمنح واشنطن قدرة كبيرة على الحركة والتدخل.

لكن السؤال الأهم ليس: كم قاعدة تمتلك أمريكا؟

بل: ماذا يحدث لهذه القواعد عندما تبدأ الحرب؟

الجغرافيا التي لا تملكها لا تمنحك سيطرة كاملة …

القوة العظمى تستطيع أن تنشر جنودها وطائراتها في دولة أخرى، لكنها لا تستطيع أن تنقل معها أرض تلك الدولة إلى أراضيها.

فالقاعدة أمريكية، لكن الأرض ليست أمريكية.

والطائرات أمريكية، لكن المجال الجغرافي الذي تتحرك فيه ليس أمريكيًا.

والجنود أمريكيون، لكن الدولة التي تستضيفهم لها حساباتها ومصالحها ومخاوفها.

وهنا تبدأ هشاشة النفوذ.

فالنفوذ الذي يعتمد على وجود عسكري خارجي يحتاج باستمرار إلى بيئة سياسية مستقرة تسمح له بالبقاء. وإذا اهتزت هذه البيئة، أو تغيرت الحسابات السياسية، أو اندلعت حرب إقليمية واسعة، فإن القاعدة التي كانت تبدو نقطة قوة قد تتحول إلى نقطة ضغط.

إنها جغرافيا مستعارة، وبالتالي لا يمكن أن تكون صلبة بالقدر نفسه الذي تكون عليه الجغرافيا الوطنية.

كلما اتسعت القواعد اتسعت نقاط الضعف …

قد يبدو الانتشار العسكري الواسع ميزة مطلقة.

لكن الحرب الحديثة قلبت هذه المعادلة.

فكل قاعدة تحتاج إلى حماية، وكل مطار يحتاج إلى دفاع، وكل ميناء يحتاج إلى تأمين، وكل طريق إمداد يحتاج إلى حماية، وكل منشأة تحتاج إلى منظومات إنذار واعتراض.

وهكذا تتحول شبكة النفوذ إلى شبكة التزامات.

كلما زادت المواقع، زادت المساحة التي يجب الدفاع عنها.

وكلما اتسعت المساحة، أصبح من الصعب ضمان أمنها جميعًا في الوقت ذاته.

ومن هنا تنشأ المفارقة الكبرى:

الانتشار الذي يفترض أن يصنع العمق الاستراتيجي قد يصنع في الوقت نفسه عمقًا واسعًا للخطر.

إيران واختبار جغرافيا النفوذ …

إذا كان هناك نموذج إقليمي اختبر هذه المعادلة بصورة واضحة، فهو إيران.

فالولايات المتحدة تتفوق على إيران في القوة الجوية والبحرية والقدرات اللوجستية والتكنولوجية التقليدية، لكن إيران طورت خلال العقود الماضية منظومة مختلفة من عناصر الردع، وفي مقدمتها الصواريخ والطائرات المسيّرة والقدرة على الوصول إلى أهداف بعيدة عن حدودها.

وهذا يعني أن الولايات المتحدة لا تستطيع أن تفترض أن المسافة الجغرافية تحمي قواعدها.

وقد كان الهجوم الإيراني على قاعدة عين الأسد في العراق عام 2020 لحظة مهمة في هذا السياق. فقد أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية أن إيران أطلقت أكثر من عشرة صواريخ باليستية على منشآت عراقية تستضيف قوات أمريكية وقوات من التحالف، مع وقوع أضرار في منشآت ومعدات.

المغزى الاستراتيجي لم يكن فقط في حجم الأضرار، وإنما في إثبات أن قاعدة أمريكية بعيدة عن الأراضي الإيرانية يمكن أن تدخل في حسابات الردع.

ثم جاءت ضربة قاعدة العديد في قطر عام 2025، في سياق التصعيد الإيراني الأمريكي، لتؤكد مرة أخرى أن القواعد الأمريكية في المنطقة لا يمكن النظر إليها بوصفها مناطق بعيدة تمامًا عن الصراع.

ومن ثم المواجهات في عام 2026 والتي مازالت مستمرة، فلقد وصلت فيها الصواريخ الإيرانية إلى عدة قواعد في الأردن وسوريا، وإلى نقاط بعيدة على سواحل البحر الأبيض المتوسط، لا بل انها قادرة أن تصل إلى أبعد من ذلك، وبفس السرعة والتركيز،

وهنا تغيرت القاعدة:

فلم تعد المسافة وحدها حماية.

القاعدة التي تحتاج إلى حماية تصبح جزءًا من المشكلة …

عندما تنشئ دولة عظمى قاعدة عسكرية في الخارج، فإن الهدف هو توسيع قدرتها على الحركة والتدخل.

لكن عندما تصبح القاعدة نفسها بحاجة إلى منظومات دفاعية ضخمة، وتحسينات تحصينية، وملاجئ، وحماية جوية، وتأمين مستمر، فإنها تبدأ في استنزاف جزء من القوة التي يفترض أنها تمنحها.

وهنا لا يعني الأمر أن القاعدة فقدت قيمتها العسكرية.

بل يعني أن قيمتها لم تعد مطلقة.

فالقاعدة التي لا تستطيع العمل بحرية تحت التهديد تفقد جزءًا من وظيفتها الاستراتيجية، حتى لو بقيت منشآتها قائمة.

وفي الحروب الحديثة لا يشترط تدمير القاعدة بالكامل حتى يكون استهدافها مؤثرًا.

يكفي أن يصبح استخدامها مكلفًا.

يكفي أن تضطر القوات الموجودة فيها إلى تغيير أنماط انتشارها.

يكفي أن تصبح حركة الطائرات أكثر حذرًا، وأن تصبح خطوط الإمداد أكثر تعقيدًا.

عندها يكون السلاح قد حقق جزءًا من غايته حتى دون احتلال الأرض.

إيران لا تحتاج إلى احتلال القواعد …

وهنا تكمن إحدى أهم التحولات في مفهوم الحرب.

في الحروب القديمة، كان احتلال الأرض معيارًا أساسيًا للانتصار.

أما في الحرب الحديثة، فقد يكون تعطيل الوظيفة العسكرية للأرض أهم من السيطرة عليها.

فالدولة التي تستطيع أن تجعل قاعدة عسكرية غير آمنة، أو تجعل استخدامها محفوفًا بالمخاطر، تستطيع أن تقلل من قيمة تلك القاعدة دون أن ترفع علمها فوقها.

وهذا ما يجعل الصواريخ والطائرات المسيّرة وغيرها من أدوات الحرب الحديثة قادرة على تغيير الحسابات الجغرافية.

فالدولة لا تحتاج بالضرورة إلى الوصول إلى القاعدة.

قد يكفي أن تجعل القاعدة تعرف أنها قابلة للوصول.

حين تصبح الدولة المضيفة جزءًا من المعركة

المشكلة لا تتوقف عند القواعد. …

فالقواعد موجودة داخل دول.

والدول موجودة داخل إقليم.

والإقليم يمكن أن يتحول بأكمله إلى مسرح للمواجهة.

وهكذا يمكن أن تتحول الدولة المضيفة من حليف إلى طرف متأثر بالصراع، حتى لو لم تكن راغبة في الدخول فيه.

وهنا تظهر أزمة السيادة.

فالدولة التي تستضيف قاعدة أجنبية قد تجد نفسها أمام معادلة صعبة:

إذا سمحت باستخدام أراضيها في الحرب، فقد تصبح هدفًا للرد.

وإذا منعت استخدامها، فقد تدخل في خلاف مع القوة الكبرى التي تعتمد عليها.

وبذلك يصبح الوجود العسكري الأجنبي عبئًا سياسيًا وأمنيًا على الدولة المضيفة نفسها.

شبكة النفوذ قد تتحول إلى شبكة أهداف …

القوة الأمريكية في المنطقة ليست قاعدة واحدة.

إنها شبكة مترابطة من القواعد والمطارات والموانئ ومراكز القيادة والإمداد والقوات والتحالفات.

وهذا يمنحها مرونة كبيرة في أوقات السلم.

لكن في الحرب يمكن أن تتحول الشبكة نفسها إلى مشكلة.

فكل عقدة في الشبكة يمكن أن تكون نقطة ضغط.

وكلما زادت العقد، زادت احتمالات تعرض بعضها للخطر.

وهنا لا تعود المعركة حول قاعدة بعينها.

بل حول قدرة الشبكة بأكملها على الاستمرار.

إسرائيل ليست خارج المعادلة …

تزداد هذه المعادلة تعقيدًا بسبب التحالف الأمريكي الوثيق مع إسرائيل.

فعندما تصبح إسرائيل طرفًا في مواجهة إقليمية واسعة، لا يبقى تأثير الحرب محصورًا في الحدود الجغرافية لإسرائيل أو إيران.

بل يمكن أن يمتد إلى شبكة الدعم العسكري والسياسي واللوجستي المحيطة بها.

وهكذا تصبح القواعد الأمريكية في المنطقة جزءًا من حسابات الردع.

وكلما توسعت شبكة التحالفات، توسعت معها مسؤوليات الحماية.

وهذه هي إحدى مفارقات القوة الأمريكية:

كلما زادت مساحة نفوذها، زادت المساحة التي يتعين عليها الدفاع عنها.

القوة ليست في عدد القواعد …

لا يمكن قياس القوة الحقيقية بعدد القواعد العسكرية.

فالقوة ليست أن تمتلك عشرات المواقع.

القوة أن تستطيع حماية مصالحك في هذه المواقع دون أن تتحول إلى رهينة لها.

وليست الهيمنة أن تنشر قواتك في كل مكان.

بل أن تستطيع الحفاظ على نفوذك دون الحاجة إلى استخدام القوة باستمرار.

أما حين يصبح النفوذ قائمًا بصورة أساسية على القواعد العسكرية، فإن هذا النفوذ يصبح مرتبطًا بقدرة هذه القواعد على الصمود.

وهنا يمكن أن يتحول الانتشار إلى عبء.

جغرافيا النفوذ الهشّة …

جغرافيا النفوذ الهشّة هي أن تبني قوتك فوق أرض الآخرين، وأن تعتمد على أنظمة أخرى، وأن تحيط خصمك بالقواعد، ثم تكتشف أن الخصم قادر على الوصول إلى هذه القواعد.

هي أن توسع مجال نفوذك حتى يصبح عليك أن تحمي كل نقطة فيه.

هي أن تملك أكبر قوة عسكرية في العالم، لكنك تجد نفسك مضطرًا إلى التفكير في سلامة كل قاعدة وميناء ومطار وممر إمداد.

وهي أن تتحول المساحة التي ظننت أنها تمنحك عمقًا استراتيجيًا إلى مساحة واسعة من المسؤوليات والمخاطر.

حين يصبح الاتساع هشاشة …

قد تظل الولايات المتحدة القوة العسكرية الأكبر في العالم.

وقد تظل قواعدها المنتشرة في الشرق الأوسط ذات قيمة استراتيجية كبيرة.

لكن القوة العسكرية وحدها لا تصنع هيمنة دائمة.

فالنفوذ يحتاج إلى شرعية سياسية، وتحالفات مستقرة، واقتصاد قادر على تحمل الأعباء، وبيئة إقليمية لا تتحول فيها كل قاعدة إلى نقطة اشتباك.

لقد أظهرت الضربات الإيرانية على مواقع تستضيف قوات أمريكية، من عين الأسد إلى العديد، أن القواعد البعيدة ليست بالضرورة خارج دائرة الخطر.

وهنا تتكشف المفارقة الكبرى:

كلما اتسعت جغرافيا النفوذ، اتسعت معها جغرافيا المسؤولية والخطر.

ومن يظن أن كثرة القواعد تعني امتلاك العالم، قد يكتشف أن القاعدة التي أقامها لحماية نفوذه يمكن أن تتحول إلى نقطة ضعف، وأن الدولة التي اعتاد أن يستخدم أرضها كمنصة للقوة قد تصبح جزءًا من معادلة الحرب.

إن القوة الحقيقية ليست أن تكون حاضرًا في كل مكان.

بل أن تستطيع أن تبقى قويًا عندما تصبح كل تلك الأماكن مهددة.

وهنا تحديدًا تكمن هشاشة جغرافيا النفوذ.

فليست المشكلة في أن تخسر القوة أرضًا.

المشكلة أن تتحول الأرض التي بنت عليها قوتها إلى عبء عليها.

وعندما يحدث ذلك، لا تعود الخريطة دليلًا على اتساع النفوذ، بل تصبح شاهدًا على هشاشته.