السبت - 24 اكتوبر 2026

لبنان ـ العلاقات المسيحية – الشيعية… جرس إنذار لا صرخة خصومة..!

منذ 3 أشهر
السبت - 24 اكتوبر 2026

 ناجي علي أمهز ||

 

 

 

تتفاعل في الإعلام قضية المخرج والممثل اللبناني محمد الدايخ، بعد الرواية المتداولة عن رفض تأجير منزل له في إحدى المناطق ذات الغالبية المسيحية بسبب انتمائه إلى الطائفة الشيعية.

وبغضّ النظر عن تفاصيل الحادثة وحجمها، فإنها أعادت إلى الواجهة سؤالاً أخطر بكثير من حادثة فردية: إلى أين وصلت العلاقات المسيحية – الشيعية في لبنان؟

ما سأقوله قد يزعج كثيرين، ولا سيما في البيئة الشيعية، لكن المجاملة لم تعد تنفع. فمنذ سنوات أحذّر من أن العلاقة بين الطائفتين، وخصوصاً بين الشيعة والموارنة، تسير في اتجاه مقلق، وأن ما بُني عبر عقود أخذ يتآكل بفعل الخطاب المتشنج، والإعلام الذي فضّل التعبئة على الحوار، والتخوين على النقد، والانتصار الوهمي على بناء الثقة.

المشكلة أن كثيرين داخل البيئة الشيعية ما زالوا يعيشون في صورة لا تشبه الواقع. يسمعون من بعض المنتفعين أن غالبية المسيحيين إلى جانبهم، وأن الاعتراض لا يتجاوز فئة محدودة، فيطمئنون إلى رواية مريحة، لكنها لا تعكس حقيقة مزاج يتغيّر بصمت، ويتسع يوماً بعد يوم.

لقد أصبح من الصعب إقناع من لا يريد أن يرى. فبدلاً من مراجعة أسباب هذا التباعد، جرى الاكتفاء بتخوين كل من يرفع الصوت محذراً، وكأن المشكلة في من يشير إلى الجرح، لا في الجرح نفسه.

وفشل كثيرون ممن أوكلوا إلى أنفسهم، أو أوكل إليهم، لعب دور الجسر بين المسيحيين والشيعة. لم ينجحوا في بناء الثقة، ولم يمتلكوا شجاعة الاعتراف بالفشل، فبقيت المواقع، بينما كانت المسافات تكبر، وسوء الفهم يتراكم، والقطيعة تتسع.

وثمة من ظن أن العلاقات الوطنية تُبنى بالمآدب والصور التذكارية والولائم. كأن دعوة عدد من المسيحيين إلى مائدة عامرة تكفي لصناعة شراكة وطنية. لكن المشكلة لم تكن يوماً في الطعام، بل في الفكر، وفي الخطاب، وفي النظرة إلى الدولة، وإلى الشريك، وإلى مستقبل لبنان.

العلاقة بين الطائفتين لا تحتاج إلى مجاملات، بل إلى مراجعة شجاعة. فأخطر ما يمكن أن يصيب مجتمعين عاشا قروناً جنباً إلى جنب، هو أن يفقد أحدهما ثقته بالآخر، وأن تتحول الشراكة إلى عبء في الوعي الجماعي.

وأقولها بأسف: لولا قلة من الشخصيات الشيعية والمسيحية التي ما زالت تؤمن بلبنان قبل الطوائف، وتحمل رصيداً وطنياً وأخلاقياً يحظى بالاحترام المتبادل، لكانت الهوة اليوم أوسع بكثير مما هي عليه.
وأخشى أن يكون جزء من المزاج المسيحي قد بدأ يقترب من قناعة خطيرة، مفادها أن صيغة العلاقة الحالية مع الشيعة لم تعد تطمئنه، وأن الشراكة، بصورتها الراهنة، باتت تُنظر إليها بوصفها عبئاً أكثر منها ضمانة. سواء اتفقنا مع هذا الشعور أو رفضناه، فإن تجاهله لن يلغيه، بل سيزيده عمقاً.

إن ما أخشاه ليس خلافاً سياسياً عابراً، بل أن يتحول التباعد النفسي إلى قناعة راسخة، وأن يصبح فقدان الثقة أمراً طبيعياً. وعندما تصل المجتمعات إلى هذه المرحلة، يصبح إصلاح ما انكسر أصعب بكثير من منع انكساره.

لهذا، فإن القضية ليست قضية محمد الدايخ وحده، ولا قضية منزل يُؤجَّر أو لا يُؤجَّر. إنها جرس إنذار يدعونا جميعاً إلى مراجعة الذات، لأن لبنان لا يسقط عندما يختلف أبناؤه، بل عندما يقتنع كل فريق أن الآخر لم يعد شريكاً في الوطن، بل مجرد كيان بشري يعيش إلى جانبه.