التزحلق على الأكتاف..!
أ.د. جهاد كاظم العكيلي ||

قديما كان الناس يحبون التزحلق على ضفاف الانهار،وهي رياضة استهوت الجميع ،حين كنا نجلس على سطح طيني يدفعنا الى عمق النهر ، وفيها تنغمس انفاسنا مع الطين والماء ،وتظهر على وجوهنا نشوة الفرح ، كانت تلك اللحظات البسيطة تترك في ارواحنا اثرا لا ينسى فتلتصق ارواحنا بالأرض وترسم في ذاكرتنا صورة الوطن بكل ما فيه من طين وماء ونخيل وانهار ، وهكذا نسجت تلك الذكريات خيوطا من الترابط الحقيقي بين الانسان وارضه وبين الانسان ووطنه…..
واصبح التزحلق هواية رياضية متنوعة لغرض ترويح النفس والسمو بها نحو الاستقرار ….. لكن يبدو الحياة في عراقنا الجديد ابتكرت نوع اخر من هواية التزحلق بعد ان كان الانسان يتزحلق على الطين لينحدر إلى النهر ، أصبحت البعض يتزحلق على اكتاف المسؤولين لينحدر إلى أحضان السلطة..! . ،
رغم ان الشعوب المتحضرة حافظت على كثير من المفاهيم وتطبيقاتها بصورة الصحيحة….. غير ان في عراقنا الجديد تغيرت المفاهيم وتبدلت الممارسات الى اساليب تصغر فيها النفوس ، اذ لعبت السياسة دورا كبيرا في ذلك، فاصبح الاقتراب من الكرسي او منافعه الشغل الشاغل للذين تحركهم شهوة السلطة والاقتراب من مراكز القرار… واصبح التزحلق جديدا في قاموس حياة بعض الناس ممن يمتهنون السياسة والاعلام وغيرها من الاعمال…
فالتزحلق السياسي ذلك النوع الذي يمكن رؤيته بالعين المجردة خصوصا عندما تسمع التحاليل السياسية للاعلام من قبل الإعلاميين او السياسيين تحت عناوين براقة… فبدلا ان يتزحلقو على الطين لينحدرو الى النهر ،أخذوا يتزحلقون على اكتاف الساسة او المسؤولين لينحدروا في احضانهم، وتزييف الحقائق عن الجمهور او المجتمع لتحقيق مأرب متعددة لكسب منافع شخصية ، سواء كان يطلب الترشيح لوزارة معينة، او يكون وسيطا لصفقة عبر واجهات سياسية متزحلقا باوجه متعددة للوصول الى غنيمته المفضلة …
والغريب في الامر التزحلق على الأكتاف اصبح مرغوبا في الوسط الاجتماعي مع تنوع في طريقة الأداء والتقديم، منهم من يرفع هويته الزرقاء مدعيا محاميا او قاضيا… والاخر لقربه من مركز القرار او ترأسه منظمة اعلامية او مركزا ستراتيجيا للبحث والنشر.وكلما اقترب (المتزحلق) من مركز النفوذ ارتفعت اسهمهم في سوق المصالح ،وبتزحلق هؤلاء تغيبت الحقائق عن الرأي العام واختلطت المفاهيم وتشوهت صورة المجتمع ،
واصبح المواطن لا يعرف أين تكمن الحقيقة واين يبدا التزييف. ولم يعد بعض الاعلاميين او السياسيين يكتفون ما يقدمونه من اعمال، بل يكثرون التقول على الصفحات الاجتماعية عن إنجازاتهم الصحفيه و السياسية وكتبهم المستنسخة التي تزين احيانا بالالقاب العلمية لتكون لهم سلما يصعدون به على كتف المهنة او فوق اكتاف اصحاب السيادة او القرار ، الذين يرونه (بالمتزحلق) الا شخصا يجيد فن التزحلق …؟
واصبحو كطحالب لا تنمو الا في المياه الراكدة ولا تلتصق الا على جدران مؤسسات الدولة . وهنا يمكن القول بأزالة هذه الزحلقة او المزحلقين ،
عندما يصبح المسؤول نزيهًا، والسياسي صادقًا، والإعلامي مستقلًا، والعالم والباحث ملتزمًا بأخلاقيات المهنة، وعندما توضع الكفاءة فوق المحسوبية، والوطن فوق المصلحة الخاصة ،عند ذلك يمكن القول: جفّت منابع الفساد المالي والإداري والقيمي، وانتهى زمن التزحلق على الأكتاف… وعاد التزحلق إلى مكانه الطبيعي، على ضفاف الأنهار، حيث الطين والماء والفرح، لا على أكتاف الوطن!



