الأحد - 26 يوليو 2026

يرهبهم حضورنا أحياء… ويطاردهم أثرنا شهداء..!

الأحد - 26 يوليو 2026

عمار محمد طيب العراقي ||

 

 

 

هناك حقيقةٌ لم يستطع الطغاة أن يغيّروها منذ فجر التاريخ: أن الإنسان الذي يعيش لقضيةٍ أكبر من ذاته لا تنتهي رسالته بموته، بل تبدأ مرحلةٌ جديدة من تأثيره. ولذلك لم تكن معركة المستكبرين مع الرجال يومًا معركة أجساد، وإنما كانت معركة وعيٍ وإرادةٍ وعقيدة.

إنهم لا يخافون منا لأننا نحمل السلاح، بل لأننا نحمل فكرة. ولا يرهبهم صوتنا لأنه مرتفع، بل لأن كلمتنا نابعة من يقينٍ لا يُشترى ولا يُكسر. ولهذا كانوا يخشون حضورنا ونحن أحياء، لأننا نصنع الوعي، ونبني الإنسان، ونمنح الأمة ثقتها بنفسها.

لكن المفارقة الكبرى أن خوفهم لا ينتهي باستشهاد الرجال، بل يبدأ عندها. فحين يسقط الشهيد، يسقط الجسد وحده، أما الفكرة فتتحرر من حدود الزمان والمكان، وتصبح ملكًا للأمة كلها. عندها لا يعود الشهيد فردًا، بل يتحول إلى ضميرٍ جمعي، وإلى ذاكرةٍ لا يستطيع الرصاص اغتيالها.

ولذلك لم تكن صور الشهداء في يومٍ من الأيام مجرد وجوهٍ معلقة على الجدران، بل كانت راياتٍ تختزل تاريخًا من التضحية، ووثائقَ إدانةٍ لكل ظالم، ومدارسَ مفتوحةً تُخرّج أجيالًا من المؤمنين بالقيم التي استشهدوا من أجلها. إن الصورة التي يخشاها الأعداء ليست لونًا وحبرًا، وإنما المعنى الذي يسكن خلفها، والرسالة التي تنطق بها دون أن تتكلم.

لقد أدرك أعداء الحق أن الذاكرة أخطر من السلاح، وأن الشهيد بعد رحيله يصبح أكثر حضورًا مما كان في حياته. فالكلمة التي حاولوا إسكاتها تتحول إلى عقيدة، والموقف الذي أرادوا دفنه يصبح منهجًا، والدم الذي أرادوا أن يجف على الأرض يتحول إلى نهرٍ يجري في ضمير الشعوب.

إن التاريخ لا يخلّد الذين امتلكوا القوة، وإنما يخلّد الذين امتلكوا المبدأ. كم من إمبراطورٍ هزّ الأرض بجبروته ثم لم يبقَ منه إلا اسمٌ في كتب التاريخ، وكم من شهيدٍ لم يملك إلا إيمانه، فإذا به يهزم الزمن، ويعيش في وجدان الملايين بعد عشرات السنين، بل بعد قرون.

ولهذا فإن الحرب الحقيقية ليست على الأشخاص، وإنما على الرموز. وليست على الأجساد، وإنما على الذاكرة. فحين تُحارَب صور الشهداء، أو تُشوَّه سيرتهم، أو يُراد محو أسمائهم، فإن ذلك ليس خوفًا من الماضي، بل خوفٌ من المستقبل الذي تصنعه تلك الرموز في وعي الأجيال.

إن الشهيد لا يورّث أبناءه مالًا أو سلطانًا، وإنما يورّث أمةً كاملة معنى الكرامة. ولا يترك خلفه قصرًا، وإنما يترك طريقًا يسير عليه الأحرار. ومن هنا كانت الشهادة أعظم انتصارٍ على الموت؛ لأنها تنقل الإنسان من حدود العمر إلى خلود الرسالة.

ولذلك نقول لكل من يظن أن اغتيال الرجال يطفئ القضايا: لقد أخطأتم قراءة التاريخ. فالرجال يُقتلون، أما المبادئ فلا تُقتل. والأجساد تُوارى الثرى، أما الرسالات فترتفع فوق التراب. والصور التي تزعجكم ليست لأنها تُذكّر بوجوهٍ رحلت، بل لأنها تُذكّركم بأن الأفكار التي حملها أصحابها ما زالت حيّة، وأن الشعوب التي تحفظ شهداءها لا تُهزم، وإن تعثرت، ولا تستسلم، وإن اشتدت المحن.

قد تخشون حضورنا ونحن أحياء، لأننا نقف في وجه مشاريعكم، لكنكم ترتعبون من صورنا ونحن شهداء، لأنكم تعلمون أن الشهيد بعد رحيله لا يعود إنسانًا يُواجه، بل يتحول إلى قضيةٍ تُلهم، وفكرةٍ تُقاوم، وضميرٍ لا يموت، وتاريخٍ لا تستطيع قوةٌ على الأرض أن تمحوه.
شكراً
٢٠٢٦/٧/٢٥