يوسف هادي الفرطوسي .. سيرة أب ختم حياته بالشهادة..!
زمزم العمران ||

قال تعالى في كتابه الكريم : (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله امواتا بل احياء عند ربهم يرزقون)
لم يكن الشهيد يوسف هادي فنوخ الفرطوسي، رجلًا عاديًا مرّ على الدنيا ثم انصرف، بل كان من أولئك الذين يختصرون أعمارهم بموقفٍ واحد، ويكتبون اسماءهم بدمائهم على صفحات الخلود .
في أرض الديوانية الطيبة، ولد الشهيد يوسف هادي فنوخ الفرطوسي ،في الأول من تموز 1972،وترعرع في بيئة عشائرية أصيلة، تعلم فيها أن الكرامة لا تشترى، وأن نصرة الحق شرف لا يضاهيه شرف، شب وهو يحمل قلبًا مؤمنًا و روحًا مخلصة، وعُرف منذ صغره بالصدق و الطيبة و الإباء، أكمل دراسته الابتدائية، ثم اتجه إلى العمل الحر، يكد بيدين ليؤمن رزقًا حلالًا لأسرته، وبعد انتقاله إلى بغداد، استقر في منطقة الوشاش بجانب الكرخ، وهناك بنى بيتًا ملؤه المودة و الإيمان، ورُزق بتسعة أبناء كان لهم الأب الحنون و المربي الصالح و القدوة الحسنة، لم يكن يورثهم المال بقدر ما كان يورثهم الأخلاق و الرجولة و الوفاء، ويغرس في نفوسهم حب الله و الوطن و الدفاع عن المظلوم .
كان بين الناس صاحب وجهٍ بشوش، وخلقٍ كريم، لا يرد محتاجًا ولا يتخلف عن نجدة ملهوف، حتى صار محبوبًا بين جيرانه و معارفه، يُذكر بالخير أينما ذُكر اسمه، وكانت غيرته على دينه و مقدساته تدفعه إلى أن يكون حاضرًا في كل موقف يحتاج إلى أهل العزم، وحين ارتفع نداء الجهاد الكفائي عام 2014،لم يقف يوسف يتردد أمام مسؤوليات الحياة أو كثرة أبنائه، بل رأى أن الدفاع عن الارض و العقيدة أمانة لا يجوز التخلي عنها، فألتحق بصفوف المقاومة الإسلامية عصائب أهل الحق، ليبدأ رحلةً جديدة عنوانها التضحية و الفداء ،ورغم أن عمره كان أكبر من اعمار الكثيرين من رفاقه، فإنه كان بينهم أبًا قبل أن يكون مقاتلًا، يرفع معنوياتهم، ويشد من عزائمهم، ويمنحهم من خبرته وصبره ما يجعلهم أكثر ثباتًا في ساحات المعركة، ولم يعرف عنه التراجع أو طلب السلامة، بل كان يختار المواقع الأصعب ويؤمن أن الرجال تُعرف عند اشتداد المحن، شارك في معارك تكريت و بيجي و جرف النصر و ناحية العلم، وكان حاضرًا في ميادين القتال حيث يشتد الخطر و تتعاظم المسؤولية.
مضى في أواخر عام 2015 إلى الأراضي السورية، مدفوعًا بإيمانه بقدسية الدفاع عن مرقد السيدة زينب (عليها السلام )، ليقف في الصفوف الأولى بوجه الجماعات التكفيرية، وفي العشرين من كانون عام 2015،ارتقى شهيدًا في منطقة الزهراء، بعد أن قدم روحه رخيصةً في سبيل ما آمن به غير أن جسده الطاهر فقد في أرض المعركة فبقيت عائلته تنتظر خبرًا يروي شوقها، وظلت قلوب أبنائه معلقةً بأمل اللقاء، حتى و إن كان اللقاء في الذكرى و الدعاء.
لكن الاجساد قد تغيب، أما المواقف فلا تغيب، لقد ترك يوسف الفرطوسي إرثًا من الوفاء و الشجاعة و سيرة رجلٍ قدّم كل ما يملك من أجل قضيته و غرس في أبنائه معنى التضحية قبل أن يغادرهم، سيبقى اسمه حاضرًا في ذاكرة الأوفياء، ورمزًا لمن اختاروا طريق البذل حتى آخر نبضة .



