عالمية الأربعين… واجتباء العراق لحمل الأمانة..!
السيد عمار عبد الكريم الموسوي ||

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا وحبيب قلوبنا محمد وآله الطيبين الطاهرين.
واللعنة الدائمة على أعدائهم الى يوم الدين.
السلام عليك يا أبا عبد الله الحسين
الزيارة الأربعينية ليست حركة بشرية عابرة، ولا ظاهرة اجتماعية نشأت بفعل الزمن، بل هي تجلٍّ من تجليات الإرادة الإلهية في التاريخ، ومشهدٌ من مشاهد الاستخلاف الإلهي الذي تتجسد فيه القيم في حركة الإنسان، فيغدو السير إلى الحسين (عليه السلام) سيراً إلى التوحيد الخالص، وعبوراً من ضيق الذات إلى رحابة المعنى.
وهنا لابد من الوقوف على عدة نقاط:
الأمر الأول
إن المتأمل في هذه الملحمة الكبرى يقف مبهوراً أمام سؤالٍ لا تملك الفلسفات الوضعية جواباً عنه: أيُّ قوةٍ في الأرض تستطيع أن تجمع عشرات الملايين من البشر، من مختلف الأجناس والألسن والثقافات، ليقصدوا بقعة واحدة، بقلوبٍ متحدة، وشعارٍ واحد، وغايةٍ واحدة، من دون سلطة تُكرههم، ولا مؤسسةٍ تمولهم، ولا آلةٍ إعلامية تصنع لهم هذا الحضور؟
لا جواب لهذا السؤال إلا يد العناية الإلهية، التي أرادت للحسين (عليه السلام) أن يبقى نبض الضمير الإنساني الحي، وأن تكون كربلاء القلب الذي يبعث الحياة في جسد الأمة، بل في ضمير الإنسانية جمعاء.
الأمر الثاني
لقد تجاوز الحسين (عليه السلام) حدود الجغرافيا منذ خروجه من المدينة، ثم تجاوز حدود التاريخ يوم ارتقى شهيداً، وها هو اليوم يتجاوز حدود الأمم والأديان والأعراق، ليغدو رمزاً كونياً للحرية والعدالة والكرامة الإنسانية. ولذلك لم تعد الأربعين زيارةً للعراقيين وحدهم، ولا شعيرةً خاصة بالشيعة فحسب، بل غدت لغة إنسانية جامعة، يفهمها كل قلبٍ يبحث عن الحقيقة، ويهفو إلى معنى التضحية، وإن اختلف لسانه أو وطنه أو معتقده.
الأمر الثالث
وفي هذا المشهد الكوني العظيم، يبرز العراق بوصفه الأرض التي اجتباها الله تعالى لحمل هذه الأمانة الثقيلة. غير أن هذا الاجتباء ليس امتيازاً قومياً، ولا تفضيلاً عرقياً يستكبر به أحد على أحد، وإنما هو تكليفٌ إلهي، ومسؤوليةٌ حضارية تُسأل عنها الأجيال.
فقد شاءت الحكمة الربانية أن تضم هذه الأرض مراقد أئمة طاهرين، وذراريهم المنتجبين، وأن تكون موطن الحوزة العلمية، ومهبط أفواج العاشقين من أقطار الأرض كافة. فكأن العراق قد أصبح موضع التقاء الإمامة بالمرجعية، والشهادة بالانتظار، والعلم بالجهاد. وما أعظمها من أمانة، وما أثقلها من مسؤولية!
الأمر الرابع
إن أهل العراق لم يُجتبوا لأنهم أفضل الناس بذواتهم، بل لأن الله شرّفهم بخدمة أوليائه، ومن شُرّف بالخدمة فقد أُلزم بأداء الأمانة على وجهها. ولهذا فإن كل رغيف خبزٍ يُقدَّم لزائر الحسين، وكل قطرة ماء، وكل موكبٍ، وكل فراشٍ يُبسط، وكل ابتسامةٍ تُهدى، ليست أعمالاً اجتماعية عابرة، بل هي شعائر لله تتقرب بها الأرواح قبل أن تتقرب بها الأجساد.
ومن هنا يُفهم سرُّ ذلك البذل العجيب الذي أدهش العالم أجمع. فالعراقي قد يُقتِّر على نفسه وأهله طوال العام، فإذا أقبلت أيام الحسين رأيته ينفق بسخاء الموقن أن ما عند الله خيرٌ وأبقى، وكأن الحسين (عليه السلام) قد أعاد صياغة النفوس من جديد، فصار العطاء عند العراقيين غريزةً حسينية، وصار الإيثار سجيةً عاشورائية لا تُكتسب بالتكلف بل تُورث بالولاء.
الأمر الخامس
لعل أعظم ما ينبغي أن يستحضره أهل العراق، أن العالم لا ينظر إليهم في موسم الأربعين باعتبارهم أصحاب أرضٍ فحسب، بل باعتبارهم سفراء للحسين (عليه السلام) أمام الإنسانية جمعاء. فكل خُلقٍ كريمٍ يصدر منهم تعريفٌ بالحسين، وكل تقصيرٍ أو إساءةٍ إنما يُحسب على المدرسة الحسينية بأسرها.
ولهذا فإن خدمة الأربعين ليست خدمةً للأقدام السائرة وحسب، وإنما هي خدمةٌ لرسالة السماء، وتمثيلٌ حيٌّ لمدرسة أهل البيت عليهم السلام أمام العالم بأسره.
الأمر السادس
إن عالمية الأربعين ليست حدثاً إعلامياً موسمياً، بل هي وعدٌ إلهي بأن يبقى نور الحسين ممتداً في الأرض، حتى تتهيأ البشرية لاستقبال الدولة الموعودة، دولة العدل الإلهي، بقيادة بقية الله الأعظم (عجل الله تعالى فرجه الشريف). وما هذه الملايين التي تهتف باسم الحسين من كل حدبٍ وصوب، إلا تمهيد روحي وأخلاقي لذلك اليوم الذي تتوحد فيه الإنسانية تحت راية الحق.
الأمر السابع
فيا أهل العراق… احمدوا الله على نعمة الاجتباء، فكثيرٌ من الأمم تتمنى أن تخدم زائراً واحداً للحسين، وقد جعلكم الله في كل عامٍ خدّاماً لملايين العاشقين.
واحذروا أن تتحول النعمة إلى عادة، أو الشرف إلى مألوف، فإن من أعظم البلايا أن يفقد الإنسان إحساسه بعظمة ما بين يديه.
فكونوا على مستوى هذا الاصطفاء، فإنكم لا تستقبلون ضيوفاً عاديين، وإنما تستقبلون وفوداً اختارها الحسين، واختاركم الله لخدمتهم:
﴿ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾
والحمد لله رب العالمين وصلى الله على خير خلقه محمد وآله الطاهرين
١٠ صفر الخير ١٤٤٨ هج
https://whatsapp.com/channel/0029Vb72aFFJ3jv6E5YRnL0k



