الاتفاق النووي… مكسب سعودي وقلق إسرائيلي..!
حسام الحاج حسين ||
مدير مركز الذاكرة الفيلية

👈لم يعد القلق الإسرائيلي من البرنامج النووي السعودي مجرد هواجس أمنية، بل تحول إلى أحد أبرز الملفات التي تثير نقاشاً واسعاً داخل دوائر صنع القرار في تل أبيب. فالاتفاق النووي المدني المرتقب بين واشنطن والرياض، إذا خرج إلى النور بصيغته المتداولة، قد يعيد رسم موازين القوى في الشرق الأوسط، ويمنح المملكة مكاسب استراتيجية كانت إسرائيل تسعى طوال السنوات الماضية إلى تقييدها وربطها بمسار التطبيع.
وتدرك إسرائيل أن الخطر لا يتمثل في بناء السعودية مفاعلات لإنتاج الكهرباء، فبرامج الطاقة النووية السلمية أصبحت واقعاً في العديد من دول المنطقة، وإنما في احتمال حصول الرياض على حق تخصيب اليورانيوم وإعادة معالجة الوقود النووي، وهما تقنيتان تحملان استخداماً مزدوجاً، إذ يمكن توظيفهما في إنتاج الوقود النووي المدني، كما يمكن أن تشكلا، إذا توافرت الإرادة السياسية والظروف المناسبة، قاعدة لبرنامج عسكري مستقبلي، على غرار ما حدث مع البرنامج النووي الإيراني.
وتزداد المخاوف الإسرائيلية مع إدراكها أن السعودية تمتلك ثقلاً سياسياً واقتصادياً وإقليمياً كبيراً، فضلاً عن علاقاتها المتوازنة مع القوى الدولية، وتحالفها الوثيق مع باكستان، الدولة الإسلامية الوحيدة المالكة للسلاح النووي. كما أن استئناف العلاقات السعودية – الإيرانية أوجد معادلة إقليمية جديدة لا تنظر إليها إسرائيل بارتياح، لأنها تقلل من قدرة تل أبيب على توظيف التهديد الإيراني لبناء تحالفات إقليمية وفق رؤيتها.
ولهذا السبب، كانت إسرائيل تدفع باتجاه اعتماد النموذج الإماراتي، الذي يقوم على تشغيل برنامج نووي مدني دون امتلاك قدرات تخصيب اليورانيوم أو إعادة معالجة الوقود، مع الاعتماد على استيراد الوقود النووي من الخارج، باعتباره النموذج الذي يحد من احتمالات الانتشار النووي ويحافظ على التفوق الاستراتيجي الإسرائيلي.
ولا يقف القلق الإسرائيلي عند حدود السعودية وحدها، بل يمتد إلى احتمال أن يشكل الاتفاق سابقة إقليمية تدفع دولاً أخرى، مثل الإمارات وتركيا ومصر، إلى المطالبة بحقوق مماثلة في تخصيب اليورانيوم، الأمر الذي قد يطلق سباقاً جديداً نحو امتلاك دورة الوقود النووي في الشرق الأوسط. وفي المقابل، قد تجد إيران في هذه السابقة دليلاً على أن الاعتراض الأميركي يستهدف برنامجها تحديداً، وليس مبدأ التخصيب نفسه.
ويزداد الانزعاج الإسرائيلي لأن الاتفاق، وفق ما يتم تداوله، لم يعد مرتبطاً بشرط التطبيع مع إسرائيل، وهو الشرط الذي شكل خلال السنوات الماضية أحد أهم أدوات الضغط التي اعتمدت عليها تل أبيب في تعاملها مع الملف السعودي. فقد كانت الإدارات الأميركية السابقة تسعى إلى ربط أي تعاون نووي مع المملكة بإحراز تقدم في مسار التطبيع، بما يحقق مكسباً سياسياً واستراتيجياً لإسرائيل.
غير أن المؤشرات الحالية توحي بأن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تتجه إلى فصل الملفين، وجعل التعاون النووي جزءاً من استراتيجية أميركية أوسع لتعزيز الشراكة مع الرياض، ومنافسة روسيا والصين في سوق الطاقة النووية، بعيداً عن اشتراط التطبيع كمدخل لهذا التعاون.
وبحسب التقارير، وافق ترامب على اتفاق للتعاون النووي المدني يمتد ثلاثين عاماً، وقد يسمح للمملكة بتطوير قدرات لتخصيب اليورانيوم. إلا أن الاتفاق لم يعلن رسمياً بعد، ولا يزال بانتظار مراجعة الكونغرس، وسط مخاوف يبديها خبراء منع الانتشار النووي، خصوصاً مع الحديث عن احتمال عدم إلزام السعودية بتطبيق البروتوكول الإضافي للوكالة الدولية للطاقة الذرية، الذي يمنح المفتشين صلاحيات أوسع للكشف عن الأنشطة النووية غير المعلنة.
أما بالنسبة للرياض، فإن الاتفاق يمثل مكسباً استراتيجياً طال انتظاره، إذ يمنحها دعماً متقدماً في مجال الطاقة النووية السلمية، ويعزز ضماناتها الأمنية، ويوفر فرصاً للحصول على أنظمة تسليح متطورة، فضلاً عن فتح الباب مستقبلاً أمام امتلاك دورة الوقود النووي، بما يعزز استقلالية قرارها الاستراتيجي. كما أنه يمنح المملكة هذه المكاسب من دون ربطها بالتطبيع مع إسرائيل، وهو ما يمثل تحولاً جوهرياً في طبيعة التفاوض مع واشنطن.
ورغم أهمية هذه المؤشرات، فإن الحكم النهائي على الاتفاق سيظل مرهوناً بصيغته النهائية، وبطبيعة الضمانات والقيود التي سيتضمنها، سواء فيما يتعلق بحق التخصيب، أو مستوى الرقابة الدولية، أو الالتزامات الأمنية المتبادلة بين واشنطن والرياض.
وفي جميع الأحوال، يبدو أن إسرائيل هي الطرف الأكثر قلقاً من هذا الاتفاق، لأنه لا يمنح السعودية برنامجاً نووياً مدنياً فحسب، بل يكرس واقعاً استراتيجياً جديداً تتراجع فيه قدرة تل أبيب على التأثير في مسار العلاقات الأميركية – السعودية، ويحد من قدرتها على توظيف ملف التطبيع كأداة لفرض شروطها الأمنية. وفي المقابل، تمضي المملكة نحو تثبيت مكانتها قوةً إقليميةً تمتلك خيارات أوسع واستقلالية أكبر في رسم سياساتها الاستراتيجية، وهو ما يجعل الاتفاق، إذا تم إقراره بصيغته الحالية، أحد أهم التحولات الجيوسياسية في الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة .



