الأحد - 26 يوليو 2026
منذ يومين
الأحد - 26 يوليو 2026

حسين سالم / العراق

 

 

 


في صيف ١٩٩١، حين سقط الاتحاد السوفييتي بلا طلقة، بدا التاريخ قد أغلق دائرته. القوة الأمريكية وقفت في المركز نقطة ارتكاز تدور حولها كل الحركات. فوكوياما أعلن اكتمال المسار، وهنتنغتون حذر من صدام قادم، والاثنان افترضا ثبات المركز. بعد خمسة وثلاثين عاماً المركز نفسه يتفكك. ما نراه نتيجة منطقية لطبيعة السلطة حين تصبح مطلقة.

القوة علاقة نسبية لا جوهر يُمتلك. ثوسيديديس أدرك أن الخوف من صعود الآخر يدفع إلى الحرب، والحرب تُسرّع الصعود. الولايات المتحدة بعد أن صارت القطب الوحيد اضطرت إلى الحركة الدائمة. السكون في عالم متحرك يعني التآكل. كل خطوة لإدامة الهيمنة أنتجت نقيضها: التوسع العسكري ولّد مقاومة منظمة، والعولمة الاقتصادية صنعت منافسين يمتلكون أدواتها، والادعاء بالقيم الكونية أفرز رفضاً يرفض الكونية نفسها.

الدولار ظل لعقود العملة التي تُسعَّر بها السلع وتُحوَّل بها الاحتياطيات. الاحتكار يولد البدائل بالضرورة. حين استُخدم كأداة عقاب عبر قطع روسيا عن النظام المالي الغربي أو التهديد بدول أخرى تحول إلى هدف مشترك. مجموعة بريكس التي باتت تمثل أكثر من أربعين في المئة من الناتج العالمي بنت شبكات تسوية بالعملات المحلية. التجارة الصينية الروسية تتم باليوان والروبل بنسب متزايدة، والهند والإمارات تتعاملان بالروبية، والبرازيل تدخل اليوان في معاملاتها. هذا التراكم الصامت يُضعف قدرة واشنطن على فرض التكاليف دون أن تدفع ثمناً مماثلاً. الدين الأمريكي تجاوز تسعة وثلاثين تريليون دولار ونسبته إلى الناتج تجاوزت مئة وعشرين في المئة. خدمة الدين تأكل الاستثمار في البنية والتكنولوجيا. الصين رغم ديونها المحلية تبني شبكات تجارية بديلة وتسيطر على سلاسل المعادن النادرة والرقائق والإلكترونيات. القدرة على فرض النظام المالي صارت قابلة للمقايضة.

الميزانية الدفاعية الأمريكية الأكبر عالمياً والأسطول الذي لا يُضاهى والقواعد المنتشرة على القارات تتحول إلى عبء حين تتوزع على جبهات متزامنة. أوروبا تطالب بضمانات مستمرة، والشرق الأوسط يشهد مواجهات مباشرة مع إيران، والمحيط الهادئ يواجه تصاعد القدرات الصينية حول تايوان وبحر الصين الجنوبي. كل التزام إضافي يقلل المرونة. القوة الأمريكية قادرة على تدمير أهداف بعيدة وعاجزة عن فرض نظام سياسي دائم. أفغانستان انتهت بانسحاب، والعراق ترك فراغاً، وأوكرانيا كشفت حدود الدعم دون مواجهة نووية. الخصوم يتعلمون القاعدة: لا يهزمون الجيش الأمريكي في ميدان مفتوح، يستنزفونه بحروب طويلة غير متكافئة أو بتهديد تصعيد يرفع التكلفة فوق ما يتحمله الرأي العام الداخلي.

الإمبراطوريات تنهار حين تفقد القدرة على توليد الشرعية من داخلها. ابن خلدون وصف دورة العصبية: الجيل الأول يبني بالقوة والتماسك، والثاني يحافظ بالإدارة، والثالث يستهلك بالإفراط والترف. الجيل الأمريكي الحالي يعيش داخل هذا الاستهلاك. الاستقطاب السياسي حوّل المؤسسات إلى ساحات صراع صفري يصبح فيه الخصم الداخلي أخطر من الخصم الخارجي. الثقة في النخب تتآكل، والمؤسسات التي كانت تُصدّر النموذج — الكونغرس والقضاء والإعلام — تفقد قدرتها على الإقناع حتى داخل حدودها. الشرعية الخارجية كانت تعتمد على جاذبية النموذج. حين يتصدع النموذج داخلياً تفقد الجاذبية قوتها.

الولايات المتحدة بنت نظاماً يعتمد على الانتشار الشامل: حماية الممرات البحرية وضمان أمن الحلفاء وردع المنافسين في كل اتجاه. هذا الانتشار يتطلب موارد غير محدودة والتزاماً سياسياً دائماً. الموارد محدودة والالتزام السياسي يتآكل مع كل دورة انتخابية. الخصوم يتبعون استراتيجية الاستنزاف غير المباشر: الصين تبني قدرات في المنطقة الرمادية دون عبور عتبة الحرب، وروسيا تستخدم الطاقة والسلاح الهجين، وإيران تمتلك قوة ردع متقدمة وقدرات صاروخية واسعة وشبكة نفوذ إقليمي راسخة تجعل أي مواجهة مباشرة مكلفة إلى أقصى الحدود. النتيجة ارتفاع مستمر في تكلفة الحفاظ على النظام. حين تصبح تكلفة الإبقاء أعلى من فائدة الإبقاء ينهار النظام تلقائياً.