زلزال طهران المليوني: حشد المئة دولة يصفع أوهام الغرب..!
الكاتب اسعد عبد الله عبد علي ||

في قلب طهران المفجوع بألم الفراق، حيث تمتزج غصات الصدور بأصداء التكبير، انبعث اليوم مشهدٌ يعيد إلى الأذهان إرث الطف الخالد وكبرياء النبوة؛ مشهدٌ خطّته دموع الملايين الذين توافدوا ليزفوا أجساداً طاهرة, التي ارتقت إلى بارئها مخضبة بدم الشهادة.
لقد شهدت العاصمة الإيرانية طهران انطلاق مراسم تشييع مهيبة وغير مسبوقة للمرشد الأعلى السابق آية الله السيد علي خامنئي وعائلته، والذين قضوا إثر ضربة جوية أمريكية-إسرائيلية مشتركة في الثامن والعشرين من شباط/فبراير الماضي.
ورغم أن وطأة الظروف العسكرية المحيطة بالمنطقة التي فرضت تأجيلاً موجعاً للدفن, طيلة أشهر خلت، سالت فيها قلوب المحبين شوقاً وانتظاراً لوداع قادتهم، إلا أن بدء هذه المراسم اليوم شكّل حدثاً استثنائياً استقطب أنظار العالم بأسره، متجاوزاً حدود الحزن المادي إلى آفاق ملحمةٍ عاشورائية جديدة, تختزل معاني الثبات والعهد على مواصلة الدرب حتى النصر أو الشهادة.
• حضور 100 دولة: كسر العزلة واختراق الحصار
وفي خطوة تجسد الثقل التاريخي والسياسي لهذا الحدث الجلل، أعلنت وزارة الخارجية الإيرانية رسمياً عن مشاركة وفود دبلوماسية رفيعة المستوى تُمثل نحو 100 دولة في تقديم واجب العزاء والوداع بمصلى الإمام الخميني؛ ليتجاوز هذا الحشد الدبلوماسي الضخم حدود التعزية التقليدية، متحولاً إلى استفتاء دولي يحمل في طياته دلالات سياسية بالغة الأهمية ورسائل بالغة الأثر إلى المجتمع الدولي.
لقد تجلى في هذا المحفل المهيب تواجد عربي لافت أثار انتباه المراقبين، حيث سُجل حضور بارز لوفود رسمية من دول عربية محورية، كان من بينها العراق، ومصر، والمملكة العربية السعودية، وقطر، وسلطنة عمان، وتونس، والجزائر؛ وهو حضور تاريخي يعكس رغبة إقليمية جامعة ومرحلة جديدة من الوعي المشترك لترتيب العلاقات البينية وحماية أمن المنطقة واستقرارها بعيداً عن الاستقطابات الحادة والتدخلات الخارجية.
ولم يكن حلفاء الأزمات والوسطاء بأقل حضوراً، بل تصدر المشهد الوفد الروسي رفيع المستوى برئاسة ديمتري مدفيديف، نائب رئيس مجلس الأمن الروسي، تأكيداً على عمق التحالفات الإستراتيجية، إلى جانب رئيس وزراء باكستان شهباز شريف وقائد جيشه ليعكسا عمق الروابط الإقليمية، بالإضافة إلى الحضور العقائدي والسياسي الراسخ لقادة حركات المقاومة في المنطقة كحزب الله، والحشد الشعبي, وحماس، والجهاد الإسلامي، وأنصار الله، الذين شكل تواصيهم في هذا المصلى رسالة ثبات حاسمة على خيار الصمود والمواجهة.
• هل تحمل هذه الإشارات ملامح “انتصار” على حلف أمريكا؟
إن قراءة هذا المشهد الاستثنائي وتفسير أبعاده يفرضان الغوص في مستويين متوازيين, يجمعان ما بين التحدي وإثبات الوجود، ليرسما معاً ملامح مرحلة جديدة من المواجهة.
يتجلى المستوى الأول في كسر استراتيجية “الشيطنة والعزل” وتحويل الحدث إلى انتصار دبلوماسي صارخ؛ فإذا ما نُظر إلى المشهد من زاوية الإستراتيجية الأمريكية التاريخية التي جهدت لعزل إيران, وجعلها دولة منبوذة محاصرة، فإن تدفق وفود من مئة دولة يمثل إفشالاً صريحاً ومباشراً لمشروع العزل الدبلوماسي هذا.
إن توافد حلفاء واشنطن الإقليميين إلى جانب خصومها الدوليين الكبار كالمعسكر الروسي إلى قلب طهران وفي خضم مواجهة عسكرية مستعرة، يوجه رسالة حاسمة ومفادها أن الجمهورية الإسلامية تظل رقماً صعباً ومعادلة دولية راسخة لا يمكن تجاوزها أو محوها بضربة عسكرية مهما بلغت قسوتها.
أما المستوى الثاني، فيتمثل في تحدي الاستمرارية ونقل السلطة وإثبات تماسك البنية الداخلية؛ إذ جاء هذا التشييع المليوني ليكون أول اختبار حقيقي ومظهر دولة رسمي تحت قيادة المرشد الأعلى الجديد السيد مجتبى خامنئي.
إن هذا التجهيز اللوجستي الضخم والمعقد، الذي استوعب ملايين المشيعين الغاضبين والوفود الأجنبية الرفيعة في آن واحد، لم يكن مجرد مراسم عزاء، بل كان استعراضاً مقصوداً لإظهار تماسك النظام وعجز الضربات الخارجية الغادرة عن إحداث أي فراغ دستوري أو أمني، بل على النقيض من ذلك تماماً، جرى توظيف هذه المظلومية الكبرى لاستنهاض الحاضنة الشعبية وتثبيت شرعية القيادة الجديدة في لُحمة وطنية وتاريخية غير مسبوقة.
• الاحمق ترامب مندهش
وفي مشهد كوميدي جديد من فصول السياسة العالمية، يبدو أن الرئيس ترامب تلقى صفعة نفسية لم يستطع معها كتمان مشاعره، فلم يجد حرجاً في فضح نفسه على الملأ! فلم يكد يشاهد لقطات من مراسم تشييع جثمان السيد علي خامنئي، حتى استشاط غيظاً وضاق صدره بما رأى، فهرع مصدوماً يدلي بتصريحات لوكالة “أكسيوس” وكأنه طفل اكتشف للتو أن العالم لا يسير وفق رغباته، قائلاً بذهول لا يحسد عليه: “لقد شاهدت بعض الأجزاء من المراسم اليوم في إيران.. وحقاً لقد فوجئت برؤية إيرانيين كُثر يبكون في هذه الجنازة! لقد كنت أعيش في وهْمٍ جميلٍ مفاده أن الناس جميعاً يكرهونه هناك، فهل كانوا يحبون هذا الرجل بالفعل؟! .
وهكذا، بكل بساطة وعفوية هزلية، نسف ترامب بغبائه السياسي تقارير مستشاريه ليثبت للعالم أن الحقيقة صدمته في مقتل.
• الوجه الآخر للمشهد (كلفة الاستهداف الباهظة)
وفي المقابل، يرى مراقبون غربيون أن مجرد نجاح الحلف الأمريكي-الإسرائيلي في تنفيذ عملية اغتيال تطال رأس الهرم وسدة السيادة في إيران، يمثل خرقاً أمنياً وعسكرياً واستخباراتياً بالغ الجسامة، يوجع العمق الإستراتيجي للدولة.
وبناءً على هذه القراءة العميقة، فإن المشهد الحالي لا يمكن اختزاله أو تفسيره بوصفه “انتصاراً عسكرياً ناجزاً” للطرف المعتدي، بل هو في حقيقته “معركة إرادات وصمود” كبرى تدور رحاها على أرض الوعي والسياسة؛ إذ تسعى طهران بكل ثقلها إلى امتصاص هذه الخسارة الإستراتيجية الفادحة وتحويلها من انكسار ميداني إلى منصة هجوم سياسي ودبلوماسي واسع النطاق، مستثمرةً في ذلك المشهد المليوني والتعاطف الدولي لإثبات صمود منظومتها، وإعادة صياغة التوازنات الإقليمية برمتها، لتقول للعالم إن الشجرة التي تُقطع هامات كبارها تسقي الدماء جذورها لتثمر مواجهة أشد صلابة.
• ختاماً:
يتضح أن المشهد المتأرجح بين لوعة الفقد وهيبة الصمود، يتجاوز كونه حدثاً عابراً ليرسم فصلاً جديداً من فصول التاريخ؛ فالضربة وإن كانت قاسية وموجعة في مقاييس المادة والحسابات العسكرية، إلا أن التاريخ يعلمنا أن دماء القادة غالباً ما تتحول إلى مصلٍ يجدد حيوية الشعوب ويمنحها مناعة ضد الانكسار.
إن العقل والواقعية يفرضان الاعتراف بجسامة الخرق، لكن الحكمة الأعمق تتجلى في قدرة الأمم على تحويل الرماد إلى شرارة، وتحويل الفاجعة إلى طاقة استنهاض سياسي ودبلوماسي يعيد صياغة قواعد الاشتباك.
وبينما يظن المعتدي أن غياب الجسد هو غياب للفكرة، تثبت الملايين المحتشدة في الميادين أن العقيدة لا تموت بموت حامليها، وأن معركة الإرادات الحالية ليست على من يملك القوة ليوجه الضربة الأولى، بل على من يمتلك النفس الطويل والصبر الإستراتيجي ليرسم الخاتمة، ليظل الرهان الحقيقي معقوداً على مدى تماسك البنيان وقدرة القيادة الجديدة على العبور بالبلاد من مخاض الدموع إلى آفاق الثبات وتثبيت التوازنات.




