الخميس - 02 يوليو 2026
منذ ساعتين
الخميس - 02 يوليو 2026

طه حسن الأركوازي ||

 

 

 

لا تُقاس قوة الحكومات بما تُعلنه من شعارات ، ولا بما تصدره من بيانات ، وإنما بقُدرتها على تحويل القانون إلى واقع يلمسه المُواطن في حياته اليومية ، ففي الدول التي تسعى إلى بناء مُؤسسات راسخة لا تكون مُكافحة الفساد حملةً إعلامية مُؤقتة ، بل مشروعاً وطنياً طويل الأمد ، غايته حماية المال العام ، وترسيخ الثقة بين الدولة والمُجتمع ، وإعادة الاعتبار لمفهوم العدالة وسيادة القانون .

اليوم يمر العراق بمرحلة دقيقة تتزامن مع تحركات حكومية تستهدف مُلاحقة المُتورطين في قضايا الفساد وأسترداد الأموال العامة وقد حظيت هذه الإجراءات بمُباركة واسعة من الشارع العراقي والرأي العام ، لأن الفساد لم يعد يُنظر إليه بوصفه مُخالفة إدارية أو مالية فحسب ، بل بأعتباره أحد أبرز أسباب تعطّل التنمية ، وأستنزاف موارد الدولة ، وإضعاف ثقة المواطن بمُؤسساتها .

ومن هنا ، فإن أي خطوة جادة في هذا المسار تُعد موضع أهتمام وترقُب بقدر ما تُعد أختباراً لقُدرة الدولة على الانتقال من مرحلة الإعلان إلى مرحلة الإنجاز .

إن ما يترقبه العراقيون اليوم ليس عدد أوامر القبض ، ولا حجم المُؤتمرات الصحفية ، وإنما بناء منظومة عدلية مُتكاملة تُطبق القانون بمعيار واحد على الجميع بعيداً عن أي أعتبارات سياسية أو حزبية أو أجتماعية ، فأستمرار النهج القانوني بثبات وأتساق هو وحده الكفيل بتحويل مُكافحة الفساد إلى سياسة دولة لا إلى أستجابة ظرفية تفرضها الأحداث أو الضغوط .

لقد أثبتت تجارب دول عديدة أن نجاح حملات مُكافحة الفساد لا يتحقق بمُجرد توقيف بعض المُتهمين ، وإنما عندما تترافق مع إصلاحات مُؤسسية تمنع تكرار الفساد ، وتغلق منافذه التشريعية والإدارية والمالية ، فالعقوبة مهما بلغت شدتها فهي لا تكفي إذا بقيت البيئة التي تُنتج الفساد قائمة ، وإذا ظلت آليات الرقابة ضعيفة ، والإجراءات البيروقراطية المُعقدة تفتح أبواب الابتزاز وأستغلال النفوذ .

ومن هذا المنطلق ، فإن أسترداد الأموال العامة ، وتعزيز أستقلالية المُؤسسات الرقابية ، وتطوير منظومة النزاهة ، وإرساء مبادئ الشفافية في إدارة المال العام ، جميعها تمثل عناصر لا تقل أهمية عن الإجراءات القضائية نفسها ، فالدولة الحديثة لا تُدار بردود الأفعال ، وإنما بمنظومة وقائية تجعل الفساد أكثر صعوبة ، والمُساءلة أكثر حضوراً ، والقانون أكثر هيبة .

لقد ترسخت في الوعي الشعبي مقولة مفادها أن “من أمِن العقاب أساء الأدب”، وهي عبارة تختصر فلسفة الردع القانوني أكثر مما تُعبر عن الرغبة في التشدد فالعقوبة الرادعة لا تستهدف الانتقام من أحد ، وإنما تهدف إلى حماية المُجتمع من تكرار الجريمة وإيصال رسالة واضحة بأن المال العام ليس مُباحاً ، وأن الاعتداء عليه يُعد أعتداءاً على حقوق ملايين المواطنين الذين ينتظرون مدرسة أفضل ، ومستشفى أكثر كفاءة ، وفُرصة عمل كريمة ، وخدمات تليق بكرامتهم .

وفي المقابل ، فإن العدالة تكتمل عندما تكون مُتوازنة ، فتضمن حقوق جميع الأطراف وتستند إلى القضاء المُستقل ، وتبتعد عن الانتقائية أو التسييس ، فكُلما شعر المواطن أن القانون يُطبق على الجميع بلا أستثناء أزدادت ثقته بالدولة ، وأرتفعت مكانة مُؤسساتها ، وتعزز الاستقرار السياسي والاجتماعي .

وفي هذا السياق ، تستحق الخطوات التي بادر إليها رئيس مجلس الوزراء السيد “علي الزيدي” في مُلاحقة المُتورطين بقضايا الفساد وأسترداد المال العام التقدير ، بوصفها بدايةً لمسارٍ طال أنتظاره من قبل العراقيين ، غير أن القيمة الحقيقية لهذه الإجراءات لا تكمن في أنطلاقها فحسب ، بل في قُدرتها على الاستمرار ، وأتساعها لتشمل جميع من يثبت تورطه دون أنتقائية أو أستثناء ، وبما يُعزز ثقة المواطن بسيادة القانون .

كما يستحق كُل من ساند هذا التوجه ، سياسياً أو مُؤسسياً أو شعبياً ، الإشادة لأن مُكافحة الفساد ليست مسؤولية السُلطة التنفيذية وحدها ، بل هي مسؤولية وطنية مُشتركة تتطلب تضافر جهود مُؤسسات الدولة والقوى السياسية والمُجتمع بأسره ، فنجاح هذا المسار سيعني ترسيخ هيبة الدولة ، وأستعادة ثقة المواطنين بمُؤسساتهم ، أما التراجع عنه أو إخضاعه لأي ضغوط أو حسابات ضيقة ، فلن تكون كُلفته على الحكومة وحدها ، بل على مُستقبل الدولة العراقية بأكملها .

أما الإصلاح الحقيقي ، فلا يبدأ بعدد القضايا التي تُفتح ، بل بعدد منافذ الفساد التي تُغلق ، وبقدرة الدولة على بناء إدارة تعتمد الكفاءة والمهنية والخبرة والنزاهة معياراً للتكليف ، وتُرسخ مبدأ المساءلة ، وتُحدث مراجعة شاملة للتشريعات التي تسمح بتضارب الصلاحيات أو تعيق الرقابة الفاعلة ، فالدول لا تنهض بمُلاحقة الفساد فقط ، وإنما بمنع ولادته من الأساس .

أخيراً وليس آخراً .. إن العراق يمتلك من الموارد البشرية والاقتصادية ما يُؤهله لأستعادة مكانته ، لكن ذلك يبقى مرهوناً بإرادة سياسية تُقدّم مصلحة الوطن على المصالح الضيقة ، وتتعامل مع القانون بوصفه المرجعية العليا التي لا يعلو عليها نفوذ ولا أنتماء ، وإذا ما أستمرت جهود الإصلاح ضمن إطار مُؤسسي شفاف يحترم الدستور ، ويُعزز أستقلال القضاء ويصون الحقوق ، فإنها ستُؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها القانون هو الضامن الحقيقي لهيبة الدولة ، ويصبح المال العام أمانة مصونة لا غنيمة يتنافس عليها أصحاب النفوذ ، وعندها فقط يُمكن للعراقيين أن يطمئنوا إلى أن الدولة تسير بثبات نحو بناء مُستقبل أكثر أستقراراً وعدالةً وأزدهاراً …!