قراءة في بيان الإمام القائد الشهيد الخامنئي في الذكرى الأربعين لانتصار الثورة الإسلامية..!
د. محمود الهاشمي ||
مدير مركز الاتحاد للدراسات الاستراتيجية – العراق

يُعدّ البيان الذي أصدره سماحة الإمام القائد الشهيد السيد علي الخامنئي بمناسبة مرور أربعين عاماً على انتصار الثورة الإسلامية وثيقةً استراتيجيةً مهمةً رسمت ملامح المرحلة المقبلة، ولا سيما لفئة الشباب الذين خاطبهم مباشرة بوصفهم القوة المحركة لمستقبل الجمهورية الإسلامية.
وقد تضمن البيان قراءةً شاملةً لمسيرة الثورة الإسلامية وما حققته من تطورات وإنجازات في مختلف المجالات، إلى جانب رسم صورة متفائلة لمستقبل الشعب الإيراني ودوره الحضاري. كما دعا الشباب إلى تعميق فهمهم للمشروع الإسلامي الذي أسسه الإمام الخميني (رضوان الله عليه) ورسّخ جذوره في المجتمع والدولة.
المحاور الأساسية للبيان
تضمن البيان سبعة محاور رئيسية، شكّلت خارطة طريق لمستقبل الجمهورية الإسلامية، وكان في مقدمتها:
أولاً: العلم والبحث العلمي
اعتبر سماحته أن العلم هو «أوضح وسيلة لعزة أي بلد وقوته»، مؤكداً أن امتلاك المعرفة والتكنولوجيا يمثل أساس الاستقلال والتقدم.
ثانياً: المعنويات والأخلاق
وشمل ذلك الإخلاص والإيثار والتوكل والإيمان والقيم الروحية التي تمنح المجتمع القدرة على الصمود ومواجهة التحديات.
ثالثاً: الاقتصاد
وصف البيان الاقتصاد المتين بأنه أحد أهم عناصر القوة الوطنية، والقادر على منع الهيمنة الخارجية والتغلغل في شؤون البلاد.
رابعاً: العدل ومكافحة الفساد
أكد سماحته أن الفساد الاقتصادي والأخلاقي والسياسي يمثل «غدة خبيثة» تهدد استقرار الدول والأنظمة، ما يستوجب مواجهته بكل الوسائل.
خامساً: الاستقلال والحرية
ويقصد بهما تحرر الشعب والدولة من الإملاءات الخارجية ومن غطرسة القوى المتسلطة في العالم.
سادساً: الكرامة الوطنية والعلاقات الخارجية
شدد البيان على أهمية الحفاظ على الكرامة الوطنية ورسم الحدود الفاصلة مع الأعداء، وفق معادلة قائمة على العزة والحكمة والمصلحة.
بعد سبع سنوات.. كيف نقرأ أثر البيان؟
بعد مرور سبع سنوات على صدور هذه الوثيقة المهمة، يبرز سؤال جوهري: إلى أي مدى استجاب الشباب الإيراني لمضامين هذا البيان؟ وهل استطاعوا تحويل توصياته إلى إنجازات ملموسة؟
إن استهلال البيان بمحور العلم والبحث العلمي يكشف عن إدراك عميق لطبيعة الصراع المعاصر، فالمعركة الأساسية هي معركة علم ومعرفة. وقد أدركت الجمهورية الإسلامية أن التفوق العلمي يمثل المدخل الحقيقي للقوة والاستقلال.
ومنذ صدور البيان، شهدت إيران تسارعاً ملحوظاً في الإنجازات العلمية، انعكس في تحسين المستوى العلمي للمجتمع، ومكافحة الأمية، وتوسع المؤسسات التعليمية والبحثية، وارتفاع أعداد الطلبة، وزيادة الإنتاج العلمي وبراءات الاختراع، فضلاً عن التقدم في مجالات التكنولوجيا النووية والفضائية وتقنيات النانو والخلايا الجذعية.
النهضة العلمية والطبية
يُعد القطاع الطبي أحد أبرز نماذج النجاح العلمي الإيراني، حيث أصبحت إيران مركزاً إقليمياً مهماً للخدمات الطبية والعلاجية، ومقصداً للسياحة الصحية والعلاجية.
كما حققت مستويات متقدمة من الاكتفاء الذاتي في إنتاج الأدوية والمستلزمات الطبية، وأصبحت تصدر منتجاتها الدوائية إلى عشرات الدول حول العالم. كذلك سجلت تقدماً ملحوظاً في مجالات زراعة الأعضاء وزراعة الكبد والرئة والعظام والقرنية، وأطفال الأنابيب وعلاج العقم وعمليات التجميل وترميم الأنسجة.
تطور التعليم والجامعات
شهد قطاع التعليم تطوراً كبيراً مقارنة بما كان عليه قبل انتصار الثورة الإسلامية، حيث ارتفع عدد الوحدات الجامعية من 15 وحدة فقط إلى أكثر من 2640 وحدة جامعية، كما ارتفع عدد المدارس من نحو 47 ألف مدرسة إلى أكثر من 220 ألف مدرسة.
أما عدد طلبة الجامعات فقد ارتفع من نحو 155 ألف طالب قبل الثورة إلى أكثر من أربعة ملايين ومئتي ألف طالب في الوقت الحاضر، فضلاً عن إدخال التقنيات الحديثة إلى المؤسسات العلمية والتعليمية.
ووفق الإحصاءات الحديثة، أصبحت إيران ضمن أفضل عشرين دولة في العالم من حيث عدد المنشورات العلمية.
الإنجازات النووية وتقنية النانو
في مجال الطاقة النووية، استطاعت إيران، بفضل جهود علمائها وشبابها، تحقيق تقدم ملحوظ في استخراج المعادن واستكشافها وإنتاج الكعكة الصفراء وتصنيع الوقود النووي لمحطات الطاقة.
كما شهدت تقنية النانو تطوراً متسارعاً منذ مطلع الألفية الجديدة، حيث تمكن الباحثون الإيرانيون من إنتاج طيف واسع من المنتجات النانوية، شملت أنابيب الكربون النانوية، والمواد المغناطيسية، والتطبيقات الطبية والصناعية المتقدمة، فضلاً عن تطوير تقنيات تسهم في رفع كفاءة الصناعات النفطية والطبية والهندسية.
الحضور في الفضاء
تمكنت إيران من حجز موقع متقدم بين الدول المالكة للتقنيات الفضائية، ونجحت في كسر احتكار عدد من الدول لهذا المجال، لتصبح من بين الدول القادرة على تصميم وإطلاق الأقمار الصناعية، وهو إنجاز يعكس حجم التراكم العلمي والتكنولوجي الذي تحقق خلال العقود الماضية.
التطور العسكري والقدرات الدفاعية
يُعد التطور العسكري الإيراني أحد أبرز التحولات الاستراتيجية في الشرق الأوسط، حيث اعتمدت الجمهورية الإسلامية على مبدأ الردع غير المتماثل، مع التركيز على التصنيع المحلي لمواجهة آثار العقوبات والحظر.
وقد تجلت هذه القدرات في عدة مجالات رئيسية:
1- القوة الصاروخية والطائرات المسيّرة
تمتلك إيران واحدة من أكبر الترسانات الصاروخية في المنطقة، تشمل صواريخ دقيقة بعيدة المدى، إلى جانب منظومات متطورة من الطائرات المسيّرة التي أثبتت فاعليتها في الاستطلاع والعمليات الهجومية.
2- القدرات البحرية
شهدت الصناعات البحرية تطوراً ملحوظاً من خلال إنتاج غواصات هجومية وزوارق متخصصة، فضلاً عن تطوير منصات بحرية قادرة على تشغيل الطائرات المسيّرة.
3- منظومات الدفاع الجوي
نجحت إيران في بناء شبكة دفاع جوي متعددة الطبقات تعتمد على منظومات محلية متطورة قادرة على مواجهة مختلف التهديدات الجوية.
إن استعراض هذه الإنجازات يوضح أن البيان الذي أصدره سماحة الإمام القائد الشهيد السيد علي الخامنئي لم يكن مجرد خطابٍ توجيهي للشباب الإيراني، بل كان وثيقة عمل واستراتيجية متكاملة استشرفت المستقبل وحددت مسارات البناء والتقدم.
لقد أثبت الشباب الإيراني قدرتهم على تحويل تلك التوجيهات إلى مشاريع وإنجازات ملموسة في ميادين العلم والتكنولوجيا والصناعة والدفاع، مقدمين نموذجاً في الوفاء لقيم الثورة وقيادتها وقضيتها.
وهكذا تحولت الوصايا إلى عمل، والعمل إلى إنجاز، والإنجاز إلى انتصار، لتبقى التجربة شاهداً على أن الأمم التي تستثمر في العلم والإرادة والإنسان قادرة على صناعة مستقبلها مهما اشتدت التحديات.(وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُه والمؤمنون وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾




