الثلاثاء - 30 يونيو 2026

من طهران إلى بغداد… حين يتحوّل التشييع إلى زلزال يعيد تعريف الردع..!

منذ ساعتين
الثلاثاء - 30 يونيو 2026

عدنان عبد الله الجنيد ||

 

 

مراسم الإمام الشهيد على أرض الرافدين: من الرمزية العقائدية إلى إعادة هندسة موازين القوة.
لسنا أمام وداع جسدٍ فحسب، بل أمام عبور فكرة من طور القيادة الفردية إلى طور الأمة الحاملة للمشروع.
إنّ الإمام الشهيد علي الخامنئي رضوان الله عليه،لم يكن قائد مرحلة عابرة، بل صانع بنية استراتيجية طويلة النفس، أعادت تعريف معنى الصراع مع الاستكبار، بوصفه صراع إرادات لا صدام جيوش فقط.
واقتربت اليوم لحظة التشييع، لا بوصفها خاتمة سيرة، بل باعتبارها اختبارًا تاريخيًا لقدرة المشروع الذي أسسه على الحياة بعد الجسد، وعلى التحوّل من قيادة الرأس إلى وعي القاعدة.
آثار المراسم في العراق:
إقامة التشييع في العراق ليست مجاملة رمزية ولا قرارًا عاطفيًا، بل اختيارٌ محسوب بدقة.
العراق هو الجغرافيا التي تلتقي فيها العقيدة بالسياسة، والذاكرة بالتوازنات، وهو الحلقة التي إن اشتدّ تماسكها، تغيّرت معادلات الإقليم بأكمله.
من هنا، فإنّ المراسم تتحوّل إلى حدثٍ سيادي شعبي، يضع العراق في قلب المعادلة لا على هامشها.
التشييع بوصفه رسالة ردع عسكري غير مباشرة:
في ميزان الصراعات الحديثة، لم تعد الرسائل العسكرية تُرسل بالصواريخ وحدها.
التشييع المليوني لقائد بحجم الخامنئي رضوان الله عليه،على أرض العراق يوازي، في أثره الردعي، استعراض قوةٍ صامت.
إنّه يبعث برسالة واضحة مفادها أنّ البنية القتالية لمحور المقاومة لا تعتمد على مركزٍ واحد، ولا تتداعى باغتيال رأس، بل تملك عمقًا شعبيًا وعقائديًا قادرًا على امتصاص الصدمة وإعادة التموضع.
هذا المشهد، بحد ذاته، يعقّد أي حسابات عدوانية، لأنّه يؤكد أنّ قرار المواجهة لم يعد حكرًا على غرف القيادة، بل صار جزءًا من الوعي العام.
العراق… من ساحة تنازع إلى مركز توازن إقليمي:
التشييع في العراق يعيد تعريف دوره من دولة تتجاذبها المشاريع إلى محور ارتكاز في معادلة المقاومة.
الحشود العابرة للمدن والطوائف تعني عمليًا تثبيت العراق كحلقة وصل بين ساحات متعددة، لا كساحة منفصلة.
هذا الواقع يعزّز وحدة المسارات الميدانية والسياسية في المنطقة، ويفرض على القوى الإقليمية والدولية التعامل مع العراق بوصفه فاعلًا لا ممرًا، وشريكًا في القرار لا ساحة اختبار.
الواقعية الاستراتيجية – كيف يغيّر التشييع موازين القوى فعليًا؟
بعيدًا عن اللغة الرمزية، فإنّ الأثر الواقعي للتشييع يتجلّى في ثلاث نقاط أساسية:
أولًا: تعزيز التنسيق بين قوى محور المقاومة عبر حدث جامع يعيد توحيد الإيقاع السياسي والشعبي.
ثانيًا:رفع منسوب الشرعية الشعبية لأي خيارات تصعيدية أو دفاعية مستقبلية، ما يوسّع هامش الحركة أمام صناع القرار.
ثالثًا: توجيه رسالة طمأنة للحلفاء ورسالة تحذير للخصوم بأنّ مرحلة ما بعد القائد لم تُنتج فراغًا، بل أنتجت شبكة أكثر تماسكا.
الرمزية العقائدية… حين تتحوّل الجنازة إلى بيعة:
في العراق، حيث كربلاء ليست ذكرى بل منهج، يصبح التشييع فعلًا عقائديًا بامتياز.
هنا لا يُقرأ الحدث باعتباره نهاية حياة، بل استمرار مسار.
الجماهير لا تخرج لتبكي، بل لتجدد العهد على أن المشروع الذي صُنِع بالدم لا يُدار بالخوف.
وهنا تتحوّل المراسم من طقس حداد إلى طقس تعبئة، ومن وداع إلى استعداد.
الأثر النفسي والسياسي على الاستكبار العالمي:
الاستكبار يراهن دائمًا على الإنهاك، وعلى أن اغتيال الرموز يُحدث شللًا نفسيًا في المعسكر المقابل.
لكنّ مشهد العراق يقلب المعادلة بالكامل.
حين يرى الخصم ملايين البشر يملأون الطرقات خلف نعش قائدٍ اغتيل، يدرك أنّ أدوات الردع التقليدية فشلت، وأنّ المعركة انتقلت إلى مستوى أخطر: مستوى الوعي الجمعي الذي لا يمكن كسره بالعقوبات ولا بالاغتيالات.
هذه الصدمة النفسية، أكثر من أي خسارة مادية، هي ما يُقلق غرف القرار الغربية.
الخاتمة:
ليس كل تشييع نهاية، فبعضه إعلان بداية.
وفي العراق، لن تُشيَّع مرحلة بقدر ما ستُفتتح أخرى.
إنّها لحظة تقول فيها الأمة، بوضوح لا لبس فيه، إنّها لا تُراهن على الأفراد، بل على الفكرة التي تتجسد فيهم.
وحين ترحل الأجساد، تبقى المشاريع التي حُفرت في وعي الشعوب.
قوموا لله… فالعراق لا يودّع قائدًا، بل يستقبل فصلًا جديدًا من التاريخ