الخميس - 18 يونيو 2026

أيهما أشد خطراً الحرب النفسسية أم الحرب الادراكية ؟

منذ أسبوعين
الخميس - 18 يونيو 2026

الكاتب والباحث والاكاديمي صلاح الاركوازي ||

 

 

إن مفهوم الحرب النفسية وتشعباتها ومن ثم ظهور مصطلح الحرب الادراكية كلها أدوات وأسلحة تعتبر من أقذر الحروب لذلك نعتبر الحرب الإدراكية أخطر بكثير من الحرب النفسية التقليدية لأنها لا تستهدف مجرد إضعاف معنويات الخصم أو إخافته مؤقتاً، بل تستهدف إعادة هندسة نظام التفكير العقلاني بالكامل. في الحرب النفسية، قد تعرف أنك تتعرض لهجوم وتكافح لمقاومته، أما في الحرب الإدراكية، فإنك تنفذ أجندة الخصم وأنت بكامل قناعتك أنك تفعل الصواب.
يمكن تلخيص مكامن هذه الخطورة الفائقة في النقاط التالية:
1 – سلاح الصمت واللاوعي (الضحية لا تعلم أنها مستهدفة)
في الحرب النفسية، تكون الأدوات واضحة (منشورات تسقط من الطائرات، قنوات إعلامية معادية، تهديدات عسكرية)، مما يجعل الدفاع عنها ممكناً عبر التحصين المعنوي.
أما في الحرب الإدراكية، يتم التسلل إلى العقل البشري عبر خوارزميات منصات التواصل الاجتماعي، ومصادر المعلومات اليومية، والبيانات الموجهة بدقة لكل فرد حسب اهتماماته وسلوكه (Micro-targeting). الضحية هنا تتبنى أفكار العدو وتدافع عنها ظناً منها أنها “أفكارها الشخصية المنطقية”.
2 – تجاوز العاطفة إلى تدمير المرجعية الفكرية
الحرب النفسية تلعب على العواطف المؤقتة (الخوف، اليأس، الغضب)، وهي مشاعر تزول بزوال المؤثر أو بانتهاء المعركة.
الحرب الإدراكية تستهدف “البنية المعرفية”؛ أي أنها تدمر ثقة الإنسان في الثوابت الوطنية، التاريخ، المعايير الأخلاقية، والمؤسسات السياسية والأمنية. عندما يتم تدمير هذه المرجعية، يفقد المجتمع القدرة على التمييز بين الحق والباطل، ويصبح عاجزاً عن الاتفاق على حقيقة واحدة.
3 – تحويل الضحية إلى سلاح (التدمير الذاتي)
أخطر ما في الحرب الإدراكية أنها تحول المستهدفين من “ضحايا” إلى “جنود” يخدمون العدو مجاناً. من خلال التلاعب بالإدراك، يتم دفع فئات المجتمع إلى الصدام والشلل السياسي أو الاجتماعي (مثل إشعال الفتن الطائفية أو العرقية بناءً على واقع افتراضي مزيف). هنا، يدمر المجتمع نفسه بنفسه دون أن يضطر الخصم لإرسال جندي واحد أو إطلاق رصاصة.
4 – الاعتماد على ثورة التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي
لم تعد الحرب الإدراكية مجرد نظريات نفسية، بل تحولت إلى علم تطبيقي يدمج بين:
علوم الأعصاب (Neuroscience): لفهم كيفية اتخاذ الدماغ للقرارات.
الذكاء الاصطناعي والتزييف العميق (Deepfakes): لصناعة أحداث وصور وفيديوهات وهمية لا يمكن للعين المجردة تفريقها عن الواقع.
البيانات الضخمة (Big Data): لمعرفة نقاط ضعف كل مجتمع وتفصييل حملات موجهة بدقة فائقة لثغراته.
5 – حرب مستمرة بلا حدود زمنية أو جغرافية
الحرب النفسية تشن غالباً في أوقات الأزمات والحروب العسكرية وتتحرك ضمن جغرافيا المعركة. أما الحرب الإدراكية، فهي حرب ممتدة في زمن السلم قبل الحرب، ليس لها خطوط دفاع أمامية، ولا تعترف بالحدود الدولية؛ فميدان معركتها هو “العقل البشري” في أي مكان وزمان.
وفي الختام يمكن القول من أنه إذا كانت الحرب النفسية تسعى لـ “كسر إرادة القتال” لدى الخصم، فإن الحرب الإدراكية تسعى لـ “تغيير مفهوم القتال نفسه”، بحيث يرى الخصم أن من مصلحته ومنتهى عقلانيته ألا يقاتل، أو أن يقاتل بني جلدته نيابة عن عدوه. لهذا السبب، تُصنف الحرب الإدراكية في العقائد العسكرية الحديثة بأنها “المستوى الأقصى والأكثر تعقيداً في الحروب غير المتماثلة والرمادية”.